
بين الانقلاب والوحدة الضائعة:سورية على حافة التحول.
في تلك السنوات المتسارعة من تاريخ سوريا، لم تكن الأحداث مجرد تبدلات في الحكم، بل كانت طبقات متراكمة من التوترات السياسية داخل جيشٍ ما زال يتشكل، ودولةٍ تبحث عن توازنها بين إرث الوحدة مع مصر ومحاولة استعادة صيغة حكم داخلي جديد.
في أواخر عام 1961، برز العقيد عبد الكريم النحلاوي كأحد أبرز ضباط التحرك الذي أنهى تجربة الوحدة السورية المصرية، لتدخل البلاد بعدها مرحلة سياسية جديدة أعادت الحياة إلى مؤسسات الحكم المدني. عاد ناظم القدسي إلى الرئاسة، وتناوب على رئاسة الحكومة عدد من الشخصيات السياسية البارزة، في محاولة لإعادة بناء دولة خرجت للتو من تجربة وحدوية ثقيلة.
لكن تلك العودة إلى الحياة البرلمانية لم تكن مستقرة كما بدا في ظاهرها. فداخل الجيش، كانت التوازنات أكثر تعقيداً مما يظهر في واجهة السياسة. قرارات الإقصاء والنقل والمحاسبة التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة، بدافع تثبيت السلطة ومنع الانقلابات، تحولت تدريجياً إلى مصدر احتقان داخل المؤسسة العسكرية نفسها، حيث شعر كثير من الضباط أن موقعهم يُعاد تشكيله بعيداً عن منطق الترضية أو التوازن، وبشكل يفتح الباب لصراعات خفية تتجاوز السياسة العلنية.
في هذا المناخ المتوتر، بدأت محاولات لإعادة ضبط نفوذ الضباط الذين ارتبطوا بمرحلة الانفصال، مقابل تصاعد حضور تيارات عسكرية أخرى داخل الجيش، بعضها ذو توجهات قومية ويسارية أخذت تنظم نفسها بصمت داخل البنية العسكرية. وبين هذا وذاك، كان النحلاوي يحاول الحفاظ على موقعه وسط شبكة متحركة من التحالفات والخصومات، قبل أن تتعقد الظروف أكثر مع تزايد الاحتكاكات داخل الجيش.
ومع مطلع عام 1963، كانت البلاد قد وصلت إلى نقطة حساسة. محاولات الاعتقال والتحرك العسكري المتبادل، وتسرب المعلومات بين الضباط، جعلت الوضع أقرب إلى الانفجار. وفي لحظة مفصلية، تم التوصل إلى تسوية مؤقتة هدفت إلى تجنب مواجهة مفتوحة داخل الجيش، انتهت بخروج النحلاوي من المشهد السوري، في محاولة لاحتواء الانقسام المتسارع داخل المؤسسة العسكرية.
لكن ذلك الخروج لم يُنهِ التوتر، بل فتح الباب أمام مرحلة جديدة. فقد بقيت البنية العسكرية مشحونة، وتزايد نفوذ الضباط المنتمين إلى التنظيمات السرية داخل الجيش، في وقت كانت فيه السلطة السياسية تبدو أقل قدرة على ضبط التوازنات داخل المؤسسة العسكرية. وخلال أسابيع قليلة، تحولت هذه التراكمات إلى لحظة انفجار سياسي جديدة، انتهت بوصول حزب البعث إلى السلطة في 8 آذار 1963، مستفيداً من شبكة تنظيمية داخل الجيش ومن حالة الضعف والتشظي التي سبقت ذلك التحول.
لم تكن تلك النتيجة حدثاً مفاجئاً بقدر ما كانت حصيلة سلسلة طويلة من القرارات المتشابكة، وسوء تقدير متبادل بين القوى السياسية والعسكرية، في مرحلة كانت فيها سوريا تعيد تشكيل نفسها من جديد بعد تجربة الوحدة، وتدفع ثمن صراع داخلي لم يكن بسيطاً ولا أحادي الاتجاه، بل نتاج تراكمات متداخلة بين السياسة والسلاح، وبين الطموح والخوف، وبين دولة تحاول أن تستقر وجيش يعيش إعادة تعريف لدوره وموقعه في الحكم.