--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين “الانتقالية” ومنطق السلطة الطويلة… قراءة في هواجس المسار الدستوري في سورية.

Salah Kirata • ٦‏/٤‏/٢٠٢٦

16186.png

بين “الانتقالية” ومنطق السلطة الطويلة… 
قراءة في هواجس المسار الدستوري في سورية:

كلما تأملتُ المشهد السوري بعد صعود الرئيس أحمد الشرع إلى سدة الحكم في اعقاب ما سُمّي بـ“مؤتمر النصر”، عادت إلى ذهني أسئلة قديمة عن طبيعة السلطة حين تُولد في لحظة فراغ دستوري، وحين تتشكل تحت ظلّ الاستثناء لا القاعدة...
من الناحية الشكلية، يبدو ما جرى أقرب إلى لحظة إعادة تأسيس سياسي، حيث يُعلَّق الدستور أو يُعاد تفسيره، وتُستبدل مؤسسات الدولة بحكومة “مؤقتة” أو كما سُمّيت في الحالة السورية “انتقالية”، لكن ما بين المفهومين—المؤقت والانتقالي—تبدأ المنطقة الرمادية التي تختلط فيها الضرورة السياسية مع هندسة المستقبل السياسي للدولة...

*هنا تحديداً تبدأ الهواجس لا الاتهامات:
فحين تُمنح السلطة التنفيذية فترة طويلة نسبياً في بدايتها—خمس سنوات مثلاً—تحت عنوان “إعادة بناء الدولة”، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: 
-ماذا سيُنجز خلال هذه المدة؟..
 بل:
- كيف ستُترجم هذه المدة داخل بنية دستورية لاحقة؟..
التاريخ السياسي المقارن مليء بأمثلة لقادة دخلوا الحكم عبر لحظات انتقالية، ثم أعادوا تعريف “الانتقال” بوصفه مرحلة مفتوحة قابلة للتطويل، لا جسراً نحو الاستقرار بل مساراً دائماً لإعادة إنتاج السلطة. في بعض الحالات، جرى تعديل الدساتير لتقييد المنافسة السياسية أو تمديد الولايات، كما في تجارب معروفة مثل رجب طيب أردوغان في تركيا أو فلاديمير بوتين في روسيا، حيث تحوّل الاستثناء الدستوري تدريجياً إلى نمط حكم طويل الأمد...
من هذا المنظور، لا يبدو القلق من “تفصيل الدساتير” مجرد مبالغة، بل هو سؤال مشروع في علم السياسة: 
-من يكتب قواعد اللعبة بعد أن يمسك بمفاتيحها الأولى؟..
فإذا كانت المرحلة الانتقالية ستشهد صياغة دستور جديد، فإن كل تفصيل فيه—عدد الولايات، مدة الرئاسة، آليات الترشح—سيحدد شكل الدولة لعقود قادمة، وهنا تحديداً يصبح الحديث عن “النوايا” أقل أهمية من الحديث عن “البنية”، لأن المؤسسات، لا الأشخاص وحدهم، هي التي تصنع الاستمرارية السياسية...
وفي هذا السياق تحديداً، يظهر عنصر لا يمكن تجاهله في قراءة السلوك السياسي في الحالة السورية، وهو طبيعة القيادة نفسها، فالتجربة السورية تاريخياً ارتبطت بنمط من القادة الذين يجمعون بين ذكاء سياسي حاد وقدرة استثنائية على إدارة التوازنات في لحظات الانكسار أو التحول، وهو ذكاء لا يعلن نفسه بقدر ما يُمارس بهدوء داخل بنية القرار...
فعند النظر إلى مسار حافظ الأسد في لحظة صعوده، ثم إلى أحمد الشرع في لحظة صعوده الراهنة، لا من زاوية التشابه الشخصي بل من زاوية أدوات الحكم، يبرز تقاطع لافت في الأسلوب:  - قدرة عالية على قراءة اللحظة...
- توظيف دقيق للفراغ السياسي... - وإحكام السيطرة على مفاصل القرار في ظرف انتقالي شديد الحساسية... هذا النوع من “الذكاء السياسي الصلب” قد يبدو في بدايته ضرورة لضبط الفوضى وإعادة تشكيل الدولة، لكنه في الوقت ذاته يحمل إشكاليته التاريخية حين يتحول من أداة لإدارة الأزمة إلى بنية دائمة لإعادة إنتاج مركزية السلطة، وهو ما يجعل السوريين دائماً في حالة ترقب بين الاستقرار وبين الخشية من إعادة تدوير التجربة بأشكال جديدة...
لكن في المقابل، لا يمكن اختزال المشهد السوري في فرضية واحدة خطية، فالدول الخارجة من نزاعات طويلة غالباً ما تتأرجح بين حاجتين متناقضتين:
- الحاجة إلى قيادة قوية قادرة على فرض الاستقرار...
- والحاجة إلى نظام دستوري يضمن عدم تحول هذه القوة إلى احتكار دائم للسلطة...
وبين هاتين الحاجتين، تُختبر النخب الحاكمة، وتُختبر معها ثقة المجتمع الدولي، والأهم: ثقة الداخل السوري نفسه...
لذا فإن الخشية الحقيقية ليست في طول مدة انتقالية بحد ذاتها، بل في تحولها من مرحلة تأسيس إلى مرحلة تثبيت سلطة مغلقة. فالتاريخ لا يحكم على النوايا، بل على النتائج:
- هل تقود المرحلة الانتقالية إلى تداول سياسي؟..
- أم إلى إعادة إنتاج مركزية السلطة بأدوات دستورية جديدة؟..

وفي الخلاصة:
فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه سورية ليس شخصاً بعينه، بل نمط حكم يُعيد إنتاج نفسه بصيغ قانونية ودستورية متجددة، بحيث تتحول “الانتقالية” إلى بوابة لسلطة طويلة الأمد، لا تختلف في جوهرها عن تجارب رسّخت الحكم الفردي لعقود، كما حدث في مراحل تاريخية مع عائلة الأسد...
ومن هنا، فإن مسؤولية السوريين اليوم—نخباً ومجتمعاً—تكمن في تحويل اللحظة التأسيسية إلى عقد دستوري صلب لا يقبل التأويل المفتوح، عقد يقوم على دولة مدنية ديمقراطية، وعلى مبدأ التبادل السلمي للسلطة، وعلى نصوص واضحة وصريحة تمنع التمديد غير المبرر أو إعادة إنتاج السلطة بوسائل ملتوية...
ومن الضروري، في أي دستور قادم، أن تُحسم قضايا جوهرية لا تحتمل الغموض: 
تحديد صارم لعدد الولايات الرئاسية، منع التوريث السياسي بكل أشكاله المباشرة أو غير المباشرة، وضمان ألا يكون الرئيس الانتقالي طرفاً في أول انتخابات رئاسية دستورية، تفادياً لأي تضارب في النفوذ أو استغلال لبنية المرحلة الانتقالية نفسها في إعادة إنتاج السلطة، وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول هذا القيد إلى إقصاء دائم، بل إلى ضمانة انتقال نزيه، بحيث يحق لأي مسؤول، بمن فيهم الرئيس الانتقالي، أن يترشح في دورات لاحقة بعد اكتمال دورة دستورية طبيعية وبشروط متكافئة مع الجميع...

اصدقائي:
إن الدول لا تُقاس فقط بما تعلنه في لحظات النصر، بل بما تُقيّد به نفسها في لحظات التأسيس، فإما أن تُكتب سوريا القادمة على أساس دولة تتداول السلطة، أو تُكتب على أساس سلطة تتداول الدولة بأشكال مختلفة...

وأنا كمواطن يزعم الحرص دون أي غاية فأقله لم يبق في العمر كفاية أقول للسوريين، من موقع القلق لا اليأس، ومن موقع التجربة لا التنظير:
أنا أُحذّر نفسي وأُحذّركم من فخّ الذاكرة القصيرة، فأخطر ما في السياسة أن ننسى كيف بدأت المآسي، ثم نُفاجأ أننا أعدنا إنتاج شروطها دون أن نشعر...
أنا أقول:
 لا تكتفوا بالوعود، بل راقبوا النصوص. فالدساتير لا تُخدع بالشعارات، لكنها تُخدع بصياغات مرنة تبدو بريئة وهي تؤسس لزمن طويل من احتكار القرار...
أنا أقول: 
لا تسمحوا بأن تتحول “المرحلة الانتقالية” إلى حالة استثنائية دائمة. فكل استثناء طويل هو طريق مختصر نحو الاستبداد، حتى لو بدأ بلغة الضرورة...
أنا أقول: 
اجعلوا من الدولة المدنية الديمقراطية خطاً أحمر، لا شعاراً سياسياً. ومن التداول السلمي للسلطة قاعدة لا استثناء، ومن منع التوريث السياسي مبدأً لا تفاوض عليه، ومن ضبط العلاقة بين الرئيس الانتقالي وأول انتخابات دستورية ضمانة لا يمكن تجاوزها...
أنا أقول في النهاية: 
إن أخطر ما قد يحدث ليس أن يتكرر التاريخ، بل أن يتكرر ونحن مقتنعون أنه لن يتكرر.