
"بين العينين والأذنين… حين يصبح الفهم أوسع من الاصطفاف"
في لحظات الاستقطاب الحاد، سواء في الحالة السورية أو غيرها، تتحول اللغة بسهولة من مساحة للفهم إلى مساحة للتجريح، ومن محاولة تفسير الواقع إلى تصنيف الناس وإقصائهم. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: ليس في اختلاف المواقف بحد ذاته، بل في فقدان القدرة على رؤية الصورة كاملة.
النصيحة الأهم لكل الأطراف، مهما اختلفت تسمياتهم أو انتماءاتهم، هي أن يتذكر الإنسان أن ما مُنح له من عقل وحواس ليس للانفعال الأُحادي، بل للتوازن: أن يرى بعينين، لا بعين واحدة، وأن يسمع بأذنين، لا بأذن واحدة. هذه ليست مجرد استعارة بل منهج في التفكير: لا تكتفِ برواية واحدة، ولا تجعل الخصومة السياسية تُعطّل قدرتك على الفهم المركّب.
عندما يُختزل الناس إلى أوصاف جارحة أو تُلصق بهم أحكام عامة، فإننا نغلق باب الحوار ونفتح باب العمى المعرفي. في المقابل، النظر المتوازن يفرض أن نفصل بين الإنسان وموقفه، وبين الخصومة السياسية وحقائق الواقع، وأن نُخضع ما نسمعه جميعاً للتفكير لا للانفعال.
الانتماء للوطن، إن كان صادقاً، يفترض أن يكون مساحة جامعة لا ساحة إلغاء. أما الاختلاف، فهو طبيعي، لكنه يصبح خطيراً عندما يتحول إلى عداوة شاملة تعطل القدرة على الاعتراف بأن الحقيقة قد تكون موزعة، وأن الفهم يحتاج إلى أكثر من زاوية واحدة.
باختصار: لا أحد يحتكر الحقيقة كاملة، ولا أحد يملك حق اختزال الآخرين. ومن أراد أن يفهم ما يجري فعلاً، فعليه أن يستخدم “الحواس كاملة” لا أن يعطل بعضها بفعل الغضب أو الاصطفاف.