
بين الضحك الداخلي والقلق الصامت: مذكّرات كاتب لا يطمئن
أعيش في حالة تبدو متناقضة لمن يراقبني من الخارج. أتحرك في الحياة اليومية بخفة، أضحك بسهولة، وأبدو وكأنني أجد في كل تفصيل صغير سبباً للاحتفال أو التهكم. لكن هذا السطح الهادئ ليس القصة كلها. خلفه مباشرة، هناك طبقة أخرى لا تهدأ، طبقة من الأسئلة التي لا تنتهي، ومن الشك الذي لا يمنحني راحة حتى في أكثر اللحظات بساطة.
أنا أكتب، لكن الكتابة عندي ليست مهنة مستقرة بقدر ما هي محاولة دائمة للقبض على شيء يتفلّت. كل فكرة أضعها على الورق تبدو لي في اللحظة التالية قابلة للتفكك، كأنها لا تمتلك حق الإقامة في يقين ثابت. لهذا أجد نفسي أقرب إلى التفكير القلق منه إلى الإيمان بأي معنى نهائي. لا أستقر على تفسير، ولا أطمئن إلى نتيجة، وكأن اللغة نفسها عندي مشدودة إلى حافة التردد.
الغريب أن هذا الاضطراب الداخلي لا يظهر كثيراً في حياتي الاجتماعية. هناك، أمارس نوعاً من الخفة المصطنعة أحياناً، أو الطبيعية أحياناً أخرى، لكنني في كل الأحوال أبدو أكثر انسجاماً مما أنا عليه في الداخل. أضحك من أشياء كثيرة، وأشارك الآخرين لحظاتهم بصدق ظاهر، لكنني في العمق أراقب كل ذلك وكأنني لست جزءاً منه بالكامل. كأنني أعيش حياتين في وقت واحد: حياة تُرى، وأخرى تُفكَّر بصمت.
ما أسميه أحياناً سخرية، ليس إلا طريقة للنجاة من ثقل الشك. حين لا أستطيع تصديق شيء حتى النهاية، أترك مسافة بيني وبينه، وهذه المسافة تتجلى في هيئة تعليق ساخر، أو جملة خفيفة الوزن، أو ابتسامة لا تقول كل ما ينبغي أن يُقال. السخرية هنا ليست زينة لغوية، بل شكل من أشكال الحذر، أو ربما قناع هشّ أمام عالم يبدو لي في كثير من الأحيان غير قابل للفهم الكامل.
في لحظات كثيرة، أجد نفسي أراجع حتى أفكاري الأساسية: لماذا أعتقد ما أعتقده؟ لماذا أرفض ما أرفضه؟ وهل ما أراه يقيناً ليس إلا عادة ذهنية تكررت حتى بدت كحقيقة؟ هذا النوع من الأسئلة لا يهدأ، ولا يقبل إجابة نهائية. وربما لهذا السبب بالذات، أكتب. لأن الكتابة تمنح هذا الاضطراب شكلاً قابلاً للرؤية، حتى لو لم تمنحه حلاً.
أدرك أن هذا النوع من الوعي قد يبدو مرهقاً، لكنه في الوقت نفسه يمنحني نوعاً من اليقظة الدائمة. لا أتعامل مع الأفكار كحقائق صلبة، بل كاحتمالات قابلة للمراجعة. وهذا ما يجعل علاقتي بالعالم علاقة حركة لا ثبات، اقتراب لا وصول.
وربما المفارقة الأكبر أن هذا القلق الداخلي لا يمنعني من الفرح. بل على العكس، يجعل الفرح أكثر حدة، لأنه لا يأتي من يقين، بل من لحظة عابرة تعرف أنها لن تبقى. لذلك أتمسك به أكثر، وأعيشه كأنه استثناء جميل داخل نظام عام من عدم الاستقرار.
أنا في النهاية لست شخصاً مستقراً على فكرة واحدة عن نفسه. أنا أقرب إلى سؤال مفتوح، يتغير صوته كلما تقدّم في الزمن. وربما هذا ما يجعل الكتابة بالنسبة لي ليست مهنة، بل طريقة للعيش داخل الاحتمال.