
بين الدولة والفكرة… حين تختلط السياسة بالإيمان:
قالها صديقي بنبرة حاسمة: “يبدو أنهم لا يجب أن يكونوا في الحكم”. كانت جملة تختصر خيبة تجربة، وربما تعباً من تكرار المشهد ذاته. لكن الرد الذي جاء بعدها كان أكثر حدّة: “الإسلاميون يجب أن يكونوا في السجون”. وهنا، لم نعد أمام نقد سياسي، بل أمام حكم مطلق يحتاج إلى تفكيك، لا إلى التصفيق.
صحيح أن التجارب التي قادتها حركات الإسلام السياسي في أكثر من بلد عربي تركت وراءها أسئلة ثقيلة، بل وأزمات حقيقية. وصحيح أيضاً أن بعض هذه الحركات خلط بين الدعوة والسلطة، وبين الإيمان وإدارة الدولة، فكانت النتيجة توتراً دائماً بين المجتمع ومؤسساته. لكن تحويل هذا النقد إلى دعوة للإقصاء الجماعي، أو حتى السجن، يفتح باباً أخطر من المشكلة نفسها.
الفارق الجوهري الذي يجب التمسك به هو التمييز بين “الإسلاميين” كتيار سياسي، وبين المجتمع المسلم الواسع والمتنوع. وهذا التوضيح الذي قيل بحسن نية—أن المقصود هم القادة والكادرات السياسية والعسكرية فقط—لا يكفي وحده لتبرير الفكرة. لأن الإقصاء، بطبيعته، لا يتوقف عند حدوده النظرية، بل يتمدد في الواقع، ويتحول بسهولة إلى منطق عام يطال كل من يقترب من الفكرة أو يتعاطف معها.
ثم إن التجربة التاريخية، في منطقتنا وخارجها، تثبت أن حظر التيارات السياسية أو سجنها لا يؤدي إلى إنهائها، بل غالباً إلى تحويلها إلى قوى أكثر تصلباً وأقل قابلية للمراجعة. السياسة لا تُعالج بالأدوات الأمنية وحدها، بل تُفكك داخل المجال السياسي نفسه: عبر المنافسة، والنقد، وكشف التناقضات، وبناء بدائل أكثر إقناعاً.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود تيار ديني في السياسة، بل في طبيعة المشروع الذي يقدمه. هل يقبل بقواعد الدولة الحديثة؟ هل يؤمن بالتعددية؟ هل يعترف بحق الآخرين في الاختلاف؟ هذه هي الأسئلة التي تحدد موقعه، لا هويته الدينية وحدها.
أما الدعوة إلى السجن، فهي تعني ببساطة نقل الصراع من ساحة السياسة إلى ساحة القوة. وعندما يحدث ذلك، تخسر الدولة قبل غيرها، لأنها تتخلى عن أدواتها الطبيعية في التنظيم والتوازن، وتستبدلها بمنطق الغلبة.
في النهاية، قد يكون من المشروع تماماً رفض وصول أي تيار إلى الحكم إذا لم يستوفِ شروط الدولة المدنية، لكن تحويل هذا الرفض إلى إقصاء مطلق هو انزلاق نحو منطق لا يختلف كثيراً عما ننتقده. فالدولة التي تسجن فكرة، بدلاً من أن تواجهها، تعترف ضمناً بأنها عاجزة عن هزيمتها في العلن.
بين الخوف من التجربة، والغضب منها، يجب أن يبقى هناك خيط رفيع اسمه السياسة. وإذا انقطع هذا الخيط، فلن يبقى سوى صراع مفتوح… لا رابح فيه.