
بين الفرح والثأر: قراءة فلسفية في تدمير إيران
حين تصل الأخبار عن ضربة قاتلة تستهدف قدرات إيران العسكرية، ويُقتل قياداتها العليا، يختلط في وجدان السوري المكلوم شعور مزدوج: ارتياح عاطفي وخوف استراتيجي. فالألم الذي تركته سنوات الحرب والدمار، وخصوصًا ما اقترفه النظام الإيراني في سوريا من قتل وحقد مستهدف للأبرياء على أساس هويتهم، يجعل الرغبة في الثأر شعورًا طبيعيًا، إنسانيًا، حتى لو كان عن بعد. لكن هنا تكمن المفارقة: هل يمكن أن يكون الفرح بهذه الضربة حقًا في خدمة مصالح السوريين، أم أنه مجرد شعور انتقامي يتماهى مع مصالح أطراف أخرى، لا علاقة لها بمعاناتهم؟
من الناحية الأخلاقية، يسهل علينا أن نفهم شعور السوري الذي فقد أحبته وأرضه وأمانه أمام السياسات الإيرانية التي تلطخت بدماء العرب السنة في سوريا. المشهد كان مريعًا: تدمير للأحياء، ملاحقة للأبرياء، استهداف للحياة اليومية للأفراد والمجتمع، وكل ذلك باسم مشروع مذهبي توسعي، فرضه علي خامنئي ومن كان حوله، مؤطرًا بفتاوى "شرعية" جعلت من العنف أداة استهداف جماعي. في هذا السياق، فإن انفعال السوري بالخبر يبدو، على مستوى الشعور الشخصي، طبيعيًا. شعور الثأر لا يُدان، فهو انساني بحت.
لكن إذا نظرنا بعمق، نجد أن البعد الاستراتيجي أكثر تعقيدًا. تدمير إيران، مهما كانت الضربة موجعة وموجّهة، لن يخدم سوريا. فالمستفيد الأكبر هو من كان وراء وصول الخميني إلى السلطة في إيران، من أطراف إمبريالية ودولية لديها حسابات بعيدة المدى: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل. هؤلاء، الذين صنعوا تاريخًا من الانقلابات والتدخلات في الشرق الأوسط، هم من يحقق مكاسبهم الآن بينما يختفي السوريون وراء شعور لحظي بالرضا أو الثأر، دون أن يروا أي منفعة حقيقية لأوطانهم. باختصار، الفرح هنا ليس إلا فرحًا انتقاميًا، لا فائدة له على مستوى السياسة ولا على مستوى المستقبل الوطني.
الفلسفة السياسية تقول إن العاطفة وحدها لا تصنع قرارًا، ولا تعطي قيمة استراتيجية. حتى لو شعرنا بالفرح، علينا أن نتساءل: هل تدمير إيران سيخفف عن السوريين معاناتهم؟ هل سيعيد ما سُلب من أرواحهم؟ هل سيحمي ما تبقى من وطنهم من التدمير؟ الإجابة الواضحة: لا. ما يحدث هو مجرد إعادة ترتيب للمعادلات الإقليمية لصالح قوى لم يكن السوريون يومًا جزءًا منها، وهم لم يشاركوا بشكل حقيقي في صنع هذا الحدث.
لذلك، ربما يكون الفرح السوري هنا أشبه بمرآة للغضب والكراهية، أكثر منه انعكاسًا لمصلحة وطنية. إنه شعور إنساني، لكنه محدود الأفق، لأن السوريين لا يملكون أدوات التحكم في مسار الحدث ولا في تبعاته. ما يبقى هو درس فلسفي: أن العاطفة، مهما كانت شرعية، لا يمكن أن تصبح سياسة، وأن الثأر العاطفي، مهما كان مفهومًا، لا يضمن مصالحًا حقيقية للضحايا، بل قد يخدم دائمًا من وضع الحلبة أصلاً، من صنع التوازنات الكبرى بعيدًا عن معاناة الناس اليومية.
ختامًا، يمكن القول إن السوريين، وهم يتأثرون بعواطفهم الطبيعية، يحتاجون إلى التمييز بين الرغبة في الثأر والواقع الاستراتيجي. الفرح بقتل خصم أو تدمير قدراته لا يساوي نصرًا حقيقيًا، بل هو شعور انتقامي يقترب من التمني، بينما المصالح الحقيقية لبلدهم تظل رهينة التعقيدات الكبرى، خارج نطاق السيطرة الشخصية. في هذا الفارق بين العاطفة والمصلحة يكمن الدرس الأهم: أن الحرية من الانفعال قد تكون أول خطوة نحو فهم أعمق لما يفيد وطننا حقًا.