
بين الحرية والوصاية: أي دولة نريد؟
ما يشهده المجتمع السوري اليوم يتجاوز مجرد تفاصيل سطحية حول المظاهر والسلوكيات الفردية. المسألة أبعد من اللباس أو الكحول أو الصيام، فهي تتعلق بالأساس بكيفية تعامل الدولة والمجتمع مع حرية الأفراد، وفهم معنى المواطنة في فضاء مشترك.
الفضاء العام، الذي يفترض أن يكون مجالًا للتفاعل والمساواة، أصبح مكانًا تُفرض فيه أنماط معينة من السلوك، وتُراقب فيه الأفعال وتُقيد الاختلافات. ما يبدو أحيانًا مجرد قواعد أو عادات، يتحول تدريجيًا إلى آليات للسيطرة، تُحوّل المجتمع إلى ساحة للمراقبة والضغط الاجتماعي، حيث يُقاس التوافق الأخلاقي بمدى امتثال الفرد لما يفرضه الآخرون.
الجوهر هنا ليس في أي فعل بعينه، بل في المبدأ نفسه: هل يحق للدولة أو لمن يمثلها اجتماعيًا أن يقرر كيف يعيش الناس حياتهم الخاصة؟ هل يجب أن تتحول الدولة من ضامن للحقوق إلى مرجعية أخلاقية تفرض العقاب على من يخرج عن الخط؟
تقييد الخيارات الشخصية لا يمس الفرد فحسب، بل يضعف أسس المواطنة. فالحرية الفردية هي حجر الزاوية في أي مجتمع يحترم حقوق أفراده: أن يكون الإنسان قادرًا على اتخاذ قراراته في حياته الخاصة طالما لا يضر بالآخرين. أي تدخل خارج هذا الإطار يهدد فكرة الدولة نفسها ككيان شامل، يحمي الجميع دون تمييز.
الأخطر أن هذا التقييد غالبًا لا يكون منصوصًا عليه في قوانين مكتوبة، بل يُمارس عبر ضغط اجتماعي مستمر، مما يدفع الناس إلى الانسحاب والابتعاد عن الفضاء العام، وخصوصًا النساء، اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة بين خياراتهن الفردية وضغوط المجتمع.
في نهاية المطاف، السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن المظاهر أو العادات، بل عن الدولة التي نريدها: هل نطمح إلى كيان يحمي الحريات ويقبل التعددية، أم إلى سلطة تمارس الوصاية على حياة الناس وتفرض التقييد باسم الأخلاق؟