
بين الإيمان والإنسان… حين ينتصر العقل دون خصومة :
ردّ عليّ صديق عزيز، لبق، مؤدّب، ومثقف، أتعامل معه وكأنه أحد أبنائي، قائلاً إنه كان يومًا قريبًا من جماعة الإخوان، دون أن يكون منتمياً إليهم تنظيميًا. ثم أضاف بصراحة لافتة: بعد أن رأيت منهم ما رأيت، أصبحت بعيدًا عنهم الآن بعد الأرض عن السماء.
لم يقف عند هذا الحد، بل استند في حديثه إلى آيات من القرآن الكريم وبعض الأحاديث الشريفة، مؤكدًا من خلالها قناعاته الوجودية. لم أصمت، لكنني أيضًا لم أواجهه بالدحض أو النفي، بل اخترت طريقًا أكثر هدوءًا ومرونة؛ تناولتُ الزمان والمكان، وأكدت أن لكل مقام مقال، ولكل زمان دولة ورجال.
تلقّى حديثي بلطف وأدب، ولم يُعلن موافقته الصريحة، ربما لقيود داخلية، لكنه قال ما هو أعمق من ذلك بكثير. اعترف، دون مواربة، أنه لم يُهزم بالنقاط فحسب، بل أعلن فوزي بالضربة القاضية حين قال:
(ما في حدا مرتاح راسو إلا الملحد).
هنا وجدت الفرصة مواتية لأقول: إن دينك هو علاقة خاصة بينك وبين ربك، وليس من حقك أن تُقحمه في علاقاتك مع الآخرين. لكلٍ دينه، ولك دينك.
واستحضرت ما يقوله الدمشقيون تاريخيًا، تعبيرًا عن مدنية رؤيتهم وعلمانيتهم الفطرية في فهم الدولة والمجتمع:
(كل مين على دينو، الله يعينو).
وهو مثل شعبي عميق، ليس بعيدًا عن جوهر قوله تعالى:
(لكم دينكم ولي دين).
أما سبب طرحي لهذه القصة، فهو أن أحد أعضاء ما يُسمى بـ"عصابة أحمدنا" علّق على حديث سياسي لا علاقة له بالدين أو الطائفة، قائلاً:
"أنت مخطئ، وتدس العسل بالسم، مؤكدا أن 80٪ من السوريين مع الرئيس أحمد الشرع، حتى لو أدخل الإسرائيلي إلى قلب العاصمة دمشق".
هذا القول لا يعكس رأيًا سياسيًا بقدر ما يكشف عن عمق الطائفية والانغلاق والإقصاء. إذ يفترض ضمنيًا أن سنة سوريا يؤيدون الرئيس "على العمياني"، وهو تعميم خطير ومضلل. مثل هذا الفكر العقيم لا يدعم الشرع، بل يسيء إليه، ويؤكد ما يُقال عن أن سلطته هي سلطة أمر واقع، لا أكثر.
بل إن هذا النوع من الخطاب يضع العصي في عجلات أي مشروع دولة، ويقلب الأولويات، فيضع العربة أمام الحصان، بدل أن يسهم في بناء وعي وطني جامع، قائم على الشراكة لا الإقصاء، وعلى العقل لا الانفعال.
في النهاية، يبقى الرهان على الوعي… وعلى الإنسان، حين يكون أوسع من انتماءاته الضيقة، وأصدق من شعاراته المهترئة، علما أنه لايكون إنسانا بمعنى الكلمة أن أعتد بالغلبة ليتسلط لا ليبني سلطة وطنية.