
بين الخبر والخيار: هل بدأت سلطة الأمر الواقع بكسر الاحتكار؟
لا تكمن أهمية الأنباء المتداولة حول احتمال تعيين جهاد مقدسي سفيراً لسوريا في مصر في اسم الرجل وحده، بل في الدلالة السياسية التي يحملها مثل هذا القرار إن صحّ بالفعل.
فجهاد مقدسي ليس شخصية مجهولة أو طارئة على العمل الدبلوماسي. هو دبلوماسي سوري محترف شغل مواقع مهمة في وزارة الخارجية السورية، وعُرف لسنوات بوصفه أحد أبرز وجوه الدبلوماسية السورية قبل أن يغادر النظام عام 2012 وينتقل للعمل في دوائر سياسية ودبلوماسية خارج البلاد. وبغض النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة له، فإن سيرته المهنية تضعه ضمن فئة أصحاب الخبرة والاختصاص، لا ضمن منطق المحاصصة أو الترضيات السياسية الضيقة.
لهذا السبب تحديداً يكتسب الخبر أهمية استثنائية. فالمسألة لا تتعلق بشخص مقدسي بقدر ما تتعلق بما قد يمثله تعيينه من تحول في طريقة إدارة الدولة الجديدة. فمنذ سقوط النظام السابق، بدا للكثيرين أن معظم المواقع الحساسة والمناصب الأساسية تتركز ضمن دائرة ضيقة مرتبطة بهيئة تحرير الشام والتيار الذي تشكل في إدلب خلال السنوات الماضية. وقد خلق ذلك انطباعاً واسعاً بأن الدولة الناشئة تُدار بعقلية الجماعة المنتصرة أكثر مما تُدار بعقلية الدولة الجامعة.
إذا صحّ خبر تعيين مقدسي، فسيكون ذلك أول مؤشر عملي على استعداد سلطة الأمر الواقع للخروج من هذا الإطار الضيق، والانتقال نحو الاستفادة من الكفاءات السورية بغض النظر عن انتماءاتها السابقة أو مواقعها الجغرافية والسياسية. وسيكون بمثابة رسالة بأن معيار الاختيار قد يبدأ بالاستناد إلى الخبرة والكفاءة والحاجة الوطنية، لا إلى الانتماء التنظيمي أو القرب من مراكز النفوذ.
إن الدول لا تُبنى بالولاءات وحدها، بل بتجميع الطاقات والخبرات وتوسيع دوائر المشاركة. وكلما ضاقت دائرة الحكم، ضاقت معها فرص النجاح والاستقرار. أما حين تتسع لتشمل أصحاب الكفاءة من مختلف البيئات والتيارات، فإنها تكتسب عناصر القوة والاستمرارية.
من هنا، فإن أهمية الخبر تتجاوز السفارة السورية في القاهرة، وتتجاوز شخص جهاد مقدسي نفسه. إنها تتعلق بالسؤال الأكبر: هل بدأت السلطة الجديدة فعلاً بمراجعة نهج الاحتكار الذي رافق مراحلها الأولى، أم أن الأمر لا يعدو كونه استثناءً عابراً؟
ومن موقعي الشخصي، أتمنى من كل قلبي أن يكون هذا الخبر صحيحاً. ليس لأن القضية مرتبطة باسم بعينه، بل لأن دلالته السياسية قد تكون بالغة الأهمية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ سوريا. أما إذا تبيّن أن الخبر غير صحيح، أو أن الاتجاه العام ما زال قائماً على حصر الدولة ضمن دائرة مغلقة، فإننا لا نكون أمام خطأ عادي في التقدير، بل أمام خطأ قد يحمل تأثيراً وجودياً على سلطة الأمر الواقع نفسها. فالدول تستطيع أن تتحمل نقص الموارد، وأن تتجاوز أزمات كثيرة، لكنها نادراً ما تنجو من إصرارها على إدارة نفسها بعقلية الاحتكار والإقصاء.