
بين الخراب والفتاوى كيف يضللنا الخطاب العقيم عن إعادة إعمار مدننا:
في دير الزور، المدينة التي تشهد كل يوم معركة صعبة من أجل الحياة، تتكدس المباني المهدمة، وتتوقف المعامل عن العمل، ويكافح الناس لتأمين لقمة العيش، يأتي مسؤول ديني ليؤكد على أولوية العلماء الشرعيين على المهندسين والأطباء. لحظة واحدة، دعونا نفكر. هل يمكن للفتاوى وحدها أن تعيد الكهرباء إلى المنازل، أو تجعل المياه تجري في أنابيب المدينة، أو تعيد تشغيل معامل النسيج والكهرباء؟ بالطبع لا.
الخبرة في الدين والفهم العميق للعبادات لا يوازي القدرة على إدارة اقتصاد، ولا على تصميم بنية تحتية، ولا على إعادة المدينة إلى الحياة. من يتحدث عن العلماء الشرعيين وحدهم، يتجاهل أن المهندسين وحدهم قادرون على إعادة تخطيط الشوارع، وأن الأطباء وحدهم يستطيعون إنقاذ حياة الناس، وأن خبراء الاقتصاد وحدهم يمكنهم إعادة الدورة المالية إلى المدينة بعد سنوات من الانهيار.
المدينة تحتاج اليوم إلى دمج العلم بالدين، العقل باليد، المعرفة بالقيم. لا يمكن لأحد أن ينجح في إعادة إعمار مدينة مدمرة وهو مشغول بالحديث عن تفاصيل الطقوس وحدها، أو عن كيفية الوضوء والصيام والجنابة، بينما الشباب يفرون من البطالة، والأسواق خاوية، والمعامل صامتة.
نحن بحاجة إلى رؤية متكاملة: مهندسون يعيدون تخطيط المدينة، خبراء اقتصاد يضعون استراتيجيات لإعادة تشغيل المعامل والأسواق، أطباء يضمنون صحة السكان، ومعلمون يجهزون الأجيال القادمة. وفي الوقت نفسه، علماء الدين يمكن أن يضيفوا البعد الأخلاقي، ويغرسوا قيم التعاون والعدل والمسؤولية. حين يجتمع كل هذا، نحصل على مجتمع قادر على البناء والعيش الكريم، لا مجرد مجتمع يغرق في الخطابات النظرية والفتاوى.
أيها المسؤول، لو فكرت قليلاً بواقع المدينة، لما اكتفيت بالمطالبة بالمزيد من العلماء الشرعيين وحدهم. دعنا نطالب أيضاً بمهندسين قادرين على إعادة تشغيل الكهرباء والمياه، وأطباء قادرين على إنقاذ الأرواح، وخبراء اقتصاد قادرين على إعادة الحياة المالية، ومعلمين يجهزون جيل المستقبل. هذه هي الأولويات الحقيقية، التي تصنع الفرق، وتعيد المدينة من بين الركام.
لنكن صريحين: الخطاب الذي يقلل من أهمية التعليم العلمي والمهارات العملية، ويغرق في التفاصيل الطقسية وحدها، هو خطاب عقيم. خطاب يعطل الحركة، ويشتت الموارد، ويهدر الوقت الثمين. المدينة لا تحتاج إلى نقاش عن الفقه وحده، بل إلى خطط عملية، مشاريع قابلة للتنفيذ، وإدارة حقيقية للموارد.
البناء الحقيقي يبدأ عندما نفكر بالمدينة أولاً، بالناس أولاً، بالاقتصاد أولاً، قبل أي جدل نظري. عندما ندمج العقل بالدين، والعمل بالقيم، والمعرفة بالممارسة، عندها فقط يمكننا أن نحلم بمدن تعود للحياة، أطفال يدرسون، معامل تعمل، وأسواق تنبض بالحركة. حينها، لا يكون العلم مجرد طقوس وفتاوى، بل قوة فعلية تصنع التغيير.
دعونا نضع الأولويات في نصابها الصحيح: المدينة أولاً، الناس أولاً، العمل أولاً. حينها فقط سيصبح الحديث عن العلماء والدين وسيلة للبناء لا عائقاً، وسنكون قد بدأنا فعلاً في إعادة دير الزور إلى الحياة، بدلاً من الانشغال في نقاشات تبعدنا عن الواقع، وتترك الركام والبطالة والفقر يملأون الشوارع.