
بين المعقول والمنقول… سيرة وعيٍ شخصي في زمن الانقسام:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
لم اكن يوما متدينا لكن هذا لايعني أني ( لاديني ) لكن لم أكن منغمسا لا في الفروض ولا السنن إنما تمسكت بمكارم الاخلاق ليس لسبب ديني بل لبعد انساني ...
هذا جعلني لا أخوض في تفاصيل الدين الذي وجدت نفسي منتميا إليه بالميلاد وهو دين ( الاسلام ) وتحديدا فأنا أيضا لجهة الميلاد فقد ولدت في أسرة ( عربية سنية )، إلا أن هذا لم يدعوني يوما لا إلى أن أتفاخر ولا الى أن اخجل، لاسيما أنه لايد لي فيما وجدت نفسي عليه لكني تمسكت بالغاية وتركت القشور موقنا مؤمنا بالمعقول على حساب ماهو منقول فلا منقول يحوز لدي درجة القداسة أن تضارب مع العقل، واعترف هنا أن العقل ربما يقف عاجزا عن تفسير هذا الوجود ...
ما أريد أن أصل إليه هو :
اني قبل أن تنفجر سورية بدعوى ما سمي بـ "الثورة" التي قلت عنها، منذ أول بدايات لها، على أنها الصيغة التنفيذية لنظرية "الشرق الأوسط الجديد"، وان ما ظهر من الاسلاميين ( الشيعة - السنة ) في آن معا، كان هو مايحاكي نظرية ( الفوضى الخلاقة )، نعم لقد وظف الدين ليكون أداة الفوضى في منطقة قصفت بسلاح يحاكي أسلحة الدمار الشامل وهو ما سمي ( الربيع العربي )...
نعم قبل هذا الانفجار كنت اعلم أن في سورية دين مسيحي فأعز اصدقائي على قلبي واصدقهم ربما هو سمير وهو بالميلاد مسيحي، وكنت أعلم أن هناك طائفة علوية لأن حافظ الأسد ربما بضغط من الاسلام ببعديه السياسي والعسكري، أو كنتيجة رد فعل عليهما أعلمنا ان هناك طائفة علوية، ولها في حساباته الأولوية ليس لجهة الكفاءة بل لجهة الولاء...
و لأكون واضحا هنا:
اقول ربما كان الإسلام بشقيه السياسي والعسكري قد استشرف بشكل مسبق البعد العلوي لحافظ الأسد، وربما كان لمنظريه وأجهزته وهي نافذة وقوية وأقصد الاسلام السياسي، أن رأي ما لم نراه نحن القوميون العرب وكذا اليسار عموما في سورية، وهو أن حافظ الأسد يختطف الطائفة العلوية ليسيطر على الجيش ومن خلالهما على الحزب ومن خلال الثلاثي على الدولة والمجتمع في سورية وكل هذا تمهيدا لجريمة " التوريث" للوصول إلى ما وصلت إليه سورية حاليا، وهل أقبح مما وصلنا إليه بعد كم مهول من موت ودمار وخراب ديار ...
عموماً:
كوني لا اعلم عن ديني إلا أنه دعى الا انه دعى الى مكارم الاخلاق، فطبيعي اني لا اعرف مطلقا شيء عن فرقه البضع والسبعين، كما لم أكن انتبه أن في سورية شيعة ودروز واسماعيليون كما لم أكن انتبه لوجود كورد وارمن وشراكس وهكذا ...
كنت أرى أننا وعلى طريقة المثل الشعبي لأهلنا في ام الدنيا وهو ( كلنا ولاد تسعة )، كناية على أنه لا فرق بين أبناء الشعب المصري، كذا كنت في صميمي لا أرى أي فرق بين أي من أبناء الشعب السوري...
حتى اني في يوم اعجبتني صبية واردت الارتباط عرفت انها علوية، ولم يكن في حساباتي مايمنع من أن أتقدم لخطبتها وتكون سيدة بيتي واما لأولادي، وانا من فتح صدر بيتهم لي كأحد أبناء الأسرة، أن أرفض لأني سني، فقط، ونتيجة لهذا ولد هذا لدي ردة فعل ملعونة الوالدين من "الطائفية" فزوجت ابنائي كل من دين وكل من طائفة ضمن الدين ...
اخيرا:
قطعا أنا لا أعرف أن كان في الدين المسيحي عداء بين طوائفه، ولم أكن أعلم كذا أن هناك عداء بين السنة والشيعة لولا حسن نصرالله وحزب الله اللبناني وكذا الحرس الثوري الإيراني اللذان أعطيا بعدا طائفيا لاضطرابات سورية، لما قتل قتلة الطرفان السوريون على الهوية، مما أدى لردة فعل عنيفة وغالبا ذات أحقية...
لكن للأمانة :
فإن ما ظهر بعد ٨ / ١٢ / ٢٠٢٤ من غوغاء سنّة سورية، وهم من كنت قد وصفتهم وحذرت منهم على مستقبل سورية وهم جماعة ( احمدنا ) جعلني اصل لقناعة لاتتززع وهي:
أن هذه الجماعة التي قوامها رعاع السنة، أكثر حقدا على سواها من المكونات الشرائحية السورية، فقد قدموا ولا زالوا يقدمون أنفسهم كأوصياء على السوريين، وربما ملاك للبلد وسواهم من الأقنان والرعايا، وكل ذلك بأسلوب مبتذل رخيص قميء وضيع، جعلني أفند تصرفاتهم التي بنيت على ثقافة ( الغلبة )...