
بين النقد والالتزام… من أجل سورية الدولة لا سورية السلطة :
أقول هذا الكلام بوضوح، ودون مواربة أو مجاملة :
سُئلت من قبل أحد الأصدقاء الاعزاء الناصحين والصادقين، سؤالًا مشروعًا، ربما خجل أن يطرحه بصيغته المباشرة مفاده باللهجة العامية ( يعني شو بدك )
بمعنى :
- لماذا لا أهادن؟..
- ولماذا لا أجامل؟..
- ولماذا يراني الناس أحيانًا مؤيدًا، وبعد ساعات ناقدًا، مفنّدًا، وداحضًا، حتى ربما يراني البعض وكأنني بلا موقف ثابت؟..
والجواب بسيط، وإن كان غير مريح للبعض :
أنا صاحب موقف، لكنني لست صاحب ولاء أعمى، وسوريَّةُ اي قرار أو موقف أو تصريح أو فعل هو الذي ابني عليها رؤيتي وابدي من خلاله رأيي ...
اعترف :
نعم، حدث ويحدث أن أمتدح قرارًا أو ممارسة للحكومة الانتقالية حين أراها تصب في المصلحة الوطنية، وقد أعود بعد وقت قصير لأسلّط الضوء على ممارسة أخرى خاطئة، فأنتقدها وأفنّدها، لا شماتة ولا خصومة، بل التزامًا بالأمانة السياسية، ودائمًا – ما استطعت – مقرونًا بالنصيحة لا بالتحريض...
وهذا ليس سلوكًا طارئًا عليّ، فقد كان موقفي ذاته من النظام السابق، الذي انتميت إليه يومًا بكل جوارحي، ودفعت في سبيله مواقف وتضحيات لا يمكن اختزالها أو إنكارها، لذا لم اعمر في أي مكان شغلته، ومع ذلك، لم أتوقف عن انتقاده حين أخطأ، مع فارق جوهري واحد :
أن انتقاداتي آنذاك كانت تُقال عبر القنوات الرسمية، وفي الاجتماعات المغلقة، لا على المنابر العامة، وهذا غير متاح لي في ظل العهد الحالي فرغم اني كنت ضيفا على عدد جيد لابأس به من المحطات العربية والعالمية وأحمل أعلى مؤهل علمي مع لحية كثيفة لكن مع شاربين طويلين لا حليقين، نعم رغم كل هذا لم تتجرأ إخبارية العهد دعوتي لأي مشاركة وبذا فهي من ناصبني العداء وفق أحكام مسبقة ( ما علينا ) ؟!..
على اي حال :
ولو كان بيدي أن أقود القدر، لتمنيت – نعم تمنيت – أن يعود الحكم في سورية إلى حزب البعث كأفكار ومنطلقات نظرية ودستور وسياسات عامة، بلا تشويه، وبلا استبداد، وبلا عائلة حاكمة، وبلا منظومة فساد، ومن دون كل ما ارتبط بآل الأسد ومن دار في فلكهم منذ عام ١٩٧٠...
ولتمنيت جبهة وطنية تقدمية حقيقية، لا تلك التي صاغها حافظ الأسد لتكون واجهة شكلية لا شراكة فعلية، تساهم في رسم سياسات البلاد وقيادتها تحت سقف قانون يحترم التعددية السياسية...
لكنني أعرف، كما يعرف غيري، أن هذه الأمنية لن تتحقق، ولوصادفتُ ليلة القدر نفسها، التي اعلم اني لن اصادفها...
لذا :
أنتقل بوعي كامل إلى الأمنية التالية، وهي ليست حلمًا طوباويًا، بل مطلبًا سياسيًا قابلًا للتحقق :
- أن تُقاد سورية بنظام وطني، لا ديني، ولا طائفي، ولا عرقي، نظاما يرى السوريين مواطنين متساوين، لا رعايا ولا مكونات متقابلة...
ومن هذا المنطلق، أعلن صراحة، وعلى رؤوس الأشهاد، أنني أتمنى على النظام الحالي، برئاسة السيد أحمد الشرع رئيس الجمهورية العربية السورية :
- الالتزام بمسار انتقال وطني تدريجي، واضح، ومعلن، يتم إقراره ضمن مؤتمر مصالحة وطنية شامل، يحضره ممثلون حقيقيون عن جميع المكونات والشرائح الاجتماعية والسياسية السورية، دون إقصاء أو وصاية، ومحدد الخطوات والاوقات...
- ويجب أن تلتزم حكومته التزامًا مكتوبًا وصريحًا، بالآتي :
- أن تكون وجهة الدولة المعلنة والنهائية هي دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات...
- إطلاق عقد اجتماعي جديد، يُصاغ بتوافق وطني واسع، ويُعرض على الاستفتاء العام لكل السوريين، داخل البلاد وخارجها، بوصفه مصدر الشرعية الأعلى...
- ضمان تداول سلمي للسلطة في سورية من خلال انتخابات نيابية حرّة ونزيهة، تُفرز :
إما حكومة أكثرية، أو حكومة ائتلافية، أو حكومة وحدة وطنية، وفق ما تفرزه صناديق الاقتراع، لا موازين القوة...
- تحريم التوريث السياسي تحريمًا دستوريًا قاطعًا، ومنع مجرد التفكير به، وتجريمه قانونيًا بوصفه اعتداءً على الجمهورية وعلى حق الشعب في اختيار حكامه...
- ضمان استقلال القضاء استقلالًا كاملًا، وإعادة بناء المؤسسة القضائية كمرجعية عليا للحقوق والحريات، لا كأداة بيد السلطة...
- إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية ومهنية، وإخضاعها للسلطة المدنية المنتخبة، وحصر دورها في حماية الوطن لا التدخل في السياسة...
- إطلاق الحريات العامة والسياسية وضمان حرية تشكيل الأحزاب وإصدار قانون خاص بذلك، ضمان حرية التعبير، والإعلام، والعمل الحزبي والنقابي، تحت سقف القانون...
- تحقيق العدالة الانتقالية، بما يشمل كشف الحقيقة، وجبر الضرر، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، دون انتقام، ودون طيّ للصفحات السوداء قبل قراءتها...
- صون وحدة البلاد ورفض أي مشاريع تقسيم أو محاصصة، دينية كانت أو عرقية أو جهوية، تحت أي مسمى...
إن التزام الحكومة بهذه الشروط ليس منّة، بل واجب، والمضي خلفها، ودعمها، والدفاع عنها، لن يكون بدافع الخوف أو التعب، بل بدافع الاطمئنان الحقيقي على مستقبل أولادنا وأحفادنا...
هذا هو موقفي، واضح، وغير قابل للتأويل :
- مع الدولة، ضد الاستبداد...
- مع الوطن، ضد التوريث...
- مع النقد لا مع الهدم...
ومن لا يعجبه هذا الموقع، فليختر موقعه، أما أنا، فقد اخترت أن أبقى حيث يجب أن يكون السوري الحر.