
بين الردّ المماثل وحدود الجغرافيا السياسية:
إلى أين تقود إيران معادلة الاستنزاف؟
في أحلك لحظات التصعيد الإقليمي، تتكشّف عادةً القواعد الغير مكتوبة فهي من يفترض أن تحكم سلوك ايران أكثر مما تحكمه البيانات الرسمية... ايران حتى لحظة كتابتي هذا المقال تقوم بما يمكن وصفه بمنطق “الردّ بالمثل” اقصد ضربة تُقابَل بضربة، وصاروخ يُجابَه بصاروخ، في دورة كانت متصاعدة تبدو في ظاهرها متكافئة، لكنها في جوهرها تفتح أبواباً أوسع من مجرد الحسابات العسكرية المباشرة...
إيران، وفق هذا المنطق، تبدو في العديد من المحطات وكأنها تتبنى سياسة “الردّ الذي يحاكي القصف”، أي أنها لا تخرج عن إطار الردّ المماثل أو القريب في طبيعته وحجمه، غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن هنا، بل في مسارح هذا الردّ واتجاهاته الجغرافية والسياسية...
فنحن الآن لا سيما بعد ما قاله ترامب ربما في إنذاره الاخير، حيث يبدو واضحا هناك إمكانية لأن تتسع دائرة الاستهداف لتشمل أهدافا ليس لإيران أن تخرج من تداعياتها الكارثية ربما بنصف قرن قادم إذا وحدث ضرب منشآت الطاقة الكهربائية...
ما أريد أن أقوله بموضوعية وشفافية دون تشفي، رغم اني لا اخفي فرحي بتدمير إيران الكيان، وكذا بتدمير الكيان لإيران فهما عدوان:
- ايران نعم ترد القصف بقصف يماثله ويحاكيه، ولجهة هذه الجزئية فهي تستهدف دول الخليج العربي التي لم تعلن أي منها الحرب على ايران، تستهدفها بأضعاف أضعاف ماقصفت به من كان قد وقف خلف بدء هذه الحرب وهي اسرائيل...
- ماقامت به ايران من استهدافات حتى الآن وكذا في المستقبل لن يسقط اي بلد ولن يدمر اي بلد ولن يعيد اي بلد إلى العصر الحجري ...
لذا أعتقد أنه على العقلاء في إيران أن يحافظوا على ماتبقى من إيران، لأن القادم كما يبدو عظيما...
ومن هنا تظهر المفارقة الاستراتيجية: القوة التي لا تُترجم إلى مكاسب سياسية واضحة تتحول تدريجياً إلى عبء على صاحبها، فالتوسع في ساحات الاشتباك، خصوصاً مع أطراف لم تكن جزءاً من قرار الحرب، لا يضيف عمقاً أمنياً بقدر ما يضيف طبقات من العداء والاحتكاك والتطويق السياسي...
لذلك، يمكن القول إن اللحظة الحالية ليست لحظة “توسيع ردّ الفعل”، بل لحظة مراجعة دقيقة داخل إيران نفسها، فالعقل الاستراتيجي، في نهاية المطاف، لا يُقاس بقدرة الردّ فقط، بل بقدرة ضبط الردّ أيضاً، وبحساب ما يتركه هذا الرد من أثر على مستقبل الدولة ومحيطها...
إن الحفاظ على ما تبقى من توازنات إيران الإقليمية ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو شرط أساسي لأي دور مستقبلي مستقر في المنطقة، فالقادم، كما تشير اتجاهات التصعيد، لا يبدو بسيطاً، ولا يمكن لأي طرف أن يضمن أن الاستنزاف سيبقى محصوراً أو محدود الكلفة...
وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون الشجاعة في اتساع مدى الرد، بل في القدرة على التوقف عند الحد الذي لا يتحول فيه الرد إلى مسار يستهلك الدولة بدل أن يحميها...
وهنا الرهان على وعي قادة إيران بأنهم إن لم يستجبوا محافظين على مايمكن المحافظة عليه من بنية تحتية إيرانية عسكرية ومدنية فإنه من الممكن فعلا إعادتها إلى العصور الحجرية ...
لذا اتمنى أن يكون الإيرانيون أكثر مرونة للأسباب التي ذكرتها اعلاه ..
إلا لا استبعد أن ينقضي هذا التصعيد واستأنس هنا بأزمة خليج الخنازير بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية يوما في عام ١٩٦١ فقد كان التوتر وقتئذ قد بلغ مداه وربما صوب كل من جيشي الطرفين صواريخه باتجاه الطرف الآخر، إلا أن خروتوشف اتصل يجون كنيدي في الثانية فجرا وتم الوصول لاتفاق وبالتالي لم تحدث المواجهة.