
بين الرمزية الدينية والتوظيف السياسي…
قراءة في التباس الخطاب الجماهيري:
من يستمع إلى هدير الحشود الخارجة من أبواب جامع بني أمية الكبير، وهي تهتف بصوتٍ يكاد يشق عنان السماء:
“قائدنا للأبد سيدنا محمد”…
وللوهلة الأولى قد يلتبس عليه المعنى، فيظن أن الاسم يُستدعى في سياقٍ سياسي معاصر، وكأن الحديث عن شخصية أخرى تحمل الاسم ذاته وتخوض غمار انتخابات أو منافسة سياسية..ظ
وهنا يكمن الإشكال في تداخل الرمزي بالديني، حين يُسحب المعنى من فضائه الروحي الجامع إلى فضاء شعاراتي تعبوي، يختلط فيه المقدس بالسياسي، فيفقد الخطاب دقته، وتتشوش الدلالات في ذهن المتلقي...
وفي لحظات الحشد الجماهيري، لا يكون الوعي دائمًا في حالته التحليلية الباردة، بل يغلب عليه الانفعال الجمعي، حيث تتقدم العاطفة على التمييز، وتذوب الحدود بين الرمز ومعناه، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود لبسٍ معرفي حقيقي لدى الجمهور بقدر ما هو انزياح لغوي وعاطفي يفرضه سياق اللحظة...
غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن في الهتاف ذاته، بل في بنية الخطاب التي تستدعي الرموز الكبرى لتكريس حالة من الاصطفاف، تقوم على منطق الغلبة لا على منطق التعدد، وتستبدل الفضاء السياسي التعددي بفضاء تعبوي مغلق، يُنتج وعيًا مشحونًا أكثر مما يُنتج وعيًا ناقدًا، بل إنك أن نظرت إلى تقاسيم وجوه الهاتفين وقرأت لغة أجسادهم تصل إلى متهم عليه وهو ما يتجاوز الايمان أو الحفاوة بنبي عظيم، بل تجد أن الاستفزاز والتحدي هو الأكثر حضورا أكثر من أي خطاب، نعم هم بما يهتفون وقد اخضعوا بما قبل عقلانية وما قبل اخلاق وطنية، يستثمرون غيرهم ويستفزوهم لاسيما أن سورية تحوي تشكيلة شرائحية وتعددية تؤكد أن ليس كل من هم من مواطنيها مسلمون، وحتى المسلمون منها تراهم لا يؤمنون بهذا الطريقة المستفزة لسواهم في وطن يجب أن يبقى جامعا مانعا متسعا لكل ابنائه بصرف النظر عن عرق أو دين.
ومن هنا تأتي الخطورة حين يتحول الحشد إلى أداة لاستفزاز الآخر بدل أن يكون تعبيرًا عن الفرح أو الانتماء، وحين تُستدعى الرموز الدينية في سياق تنافسي قد يُفهم على غير وجهه، فتختلط الدلالة ويضعف الفاصل بين المقدس وما هو بشري وسياسي...
ختاماً:
إن المجتمعات التي خرجت من تجارب قاسية من العنف والانقسام، تحتاج إلى خطاب أكثر اتزانًا، يُخفف من حدة التوظيف الرمزي، ويعيد الاعتبار للمعنى الواضح، بعيدًا عن التداخلات التي قد تُنتج التباسًا أو تغذي الاستقطاب بدل أن تُخففه.