
بين الرواية العسكرية والتسويات السياسية… قراءة في ما بعد سقوط النظام وتبدلات المشهد الإقليمي:
تتداولت بعض المصادر الإعلامية مؤخرا، نقلاً عن مصدرين عسكريين في وزارة الدفاع السورية، معطيات لافتة تتعلق بإعادة تموضع روسي داخل الأراضي السورية عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون أول من عام 2024.
وبحسب هذه الروايات، فإن روسيا قامت بسحب منظومات دفاع جوي متقدمة من بينها “إس 400” و“إس 300”، إضافة إلى منظومات صواريخ “باستيون”، والتي كانت متمركزة في محيط قاعدة حميميم في اللاذقية. وتشير المصادر ذاتها إلى أن وظيفة “إس 400” كانت محصورة أساساً بحماية القواعد الروسية، دون أن تكون جزءاً من الترسانة السورية السابقة.
كما تتحدث المعلومات المنقولة عن سحب بعض المنظومات الصاروخية الباليستية من مواقع محددة قبل أيام قليلة من انهيار النظام، في خطوة تُفسَّر "وفق ذات المصادر" بأنها مرتبطة بتفاهمات سياسية وعسكرية سبقت مرحلة التحول الميداني...
وفي السياق ذاته، تطرح هذه الروايات معطيات عن إعادة صياغة الوجود الروسي في الساحل السوري، حيث جرت اتصالات " بحسب ما يُنقل " وضمنا ما صرح به الرئيس احمد الشرع الإخبارية السورية بين دمشق وموسكو لجهة أن اتصالات تمت بينه وبين روسيا من مدينة حلب وعلى أساسها منح الضوء الأخضر الذي عنى كنتيجة الضوء الأخضر، ولابأس أن يكون قد تمت هناك تفاهمات حول مستقبل قاعدتي طرطوس وحميميم، بما يشمل تحويلهما إلى مراكز لوجستية ودعم بحري، بدل أن تكونا قواعد عمليات قتالية كما في السابق، مع استمرار احتمالات التعاون التدريبي والعسكري المشترك بصيغ جديدة.
هذه المعطيات، سواء ثبتت تفاصيلها الدقيقة أم بقيت في إطار التسريبات، تعكس حقيقة أوسع تتجاوز الجانب العسكري المباشر، وهي أن التحولات في سورية لم تكن انهيارات ميدانية سريعة، بل بدت أقرب إلى مسار مركّب من إعادة التموضع السياسي والعسكري، وبنتيجتها تداخلت فيه خطوط التفاوض مع حركة الميدان على أكثر من مستوى...
ومن هذا المنظور، يبرز ما جرى خلال تقدم “ردع العدوان” عبر خمس محافظات وصولاً إلى دمشق، بوصفه انتقالاً سريعاً في الجغرافيا العسكرية، انتهى إلى دخول العاصمة دون إطلاق رصاصة واحدة، وهو ما يفتح الباب أمام قراءات متعددة لطبيعة اللحظة:
- هل كانت حسمًا عسكريًا تقليديًا؟..
أم :
نتيجة مسار تفاهمات أوسع رافق الانهيار التدريجي لمنظومة السلطة السابقة؟..
وفي هذا السياق، كنت قد قلت فجر يوم ٨ / ١٢ / ٢٠٢٤، والذي سمي لاحقا بعيد النصر وصار عيدا رسميا، نعم كنت قد قلت في لقاء مع تلفزيون France-24 بأن ما حدث لا يمكن اختزاله في مفهوم “الانتصار العسكري الكلاسيكي”، بل هو أقرب إلى مزيج من الانهيار السريع، وإعادة ترتيب موازين القوى، وكان هذا نتاجا لمسارات تفاوض غير معلنة رافقت انتقال السلطة، بمعنى كان قد طلب لتشكيلات الجيش السابق أن لا تقاوم، ليس هذا فقط فقد تم الأمر بالانسحاب الكيفي لبعض التشكيلات والقطعات...
لأؤكد ان ما وصف بالانتصار هو مجال للحقيقة فما حدث فعلا يؤكد أن ماتم كان قد نتاجا لمحادثات ومفاوضات و مقايضات ادت إلى فسح المجال أمام بشار الاسد وكبار الشخصيات الفاعلة وعددهم ٥٥ لمغادرة سورية آمنين مؤمنين مع حمل كل ما كانوا قد نهبوه وسلبوه...
وهنا ادعوا إلى من صعودوا إلى فوق الشجرة من قبل من كنت قد وصفتهم بجماعة ( احمدنا ) لضرورة النزول للأرض وأن يتعاطوا مع الواقع مبتعدين عن ثقافة الغلبة كونهم لم يَغّْلِبوا بل وافقوا للقفز للسلطة نهما منهم بها وهذا دين كل الجماعات الإسلامية فهم ليسوا ببعيدين عن الفكر التوراتي الذي يقول بأرض الميعاد وشعب الله المختار فهم وأقصد غالبية الإسلاميين يرون في أنفسهم أنهم احق بالسلطة لأنهم خير أمة أخرجت للناس...
وهنا أقول مؤكدا أن من أوصلهم يوما إلى حيث هم يمكن بأي لحظة أن :
- ينشر المحادثات والاتصالات التي سبقت مسرحية الصعود والسقوط ...
ليس هذا فقط بل له :
+ أن يخرجهم من السلطة كما كان قد اوصلهم..
وفي الخاتمة:
فإن سرعة التمدد الميداني التي رافقت تقدم “ردع العدوان” عبر الجغرافيا السورية وصولاً إلى دمشق دون مقاومة تُذكر، تعزز فرضية أن ما جرى لم يكن مجرد معركة تقليدية، بل لحظة انتقال كبرى تشابكت فيها السياسة بالعسكر، والميدان بالتفاهمات...
ومهما اختلفت القراءات، فإن الثابت أن من يصعد سريعاً في لحظة انهيار معقدة، يظل أيضاً في قلب معادلة مفتوحة؛ لأن من يصنع لحظة الصعود في السياسة، يحتفظ غالباً بأدوات التأثير على مسار من صعدوا… كما على مسار من سقطوا.