
بين الشائعة والعدالة: ماذا قالت محاكمة عاطف نجيب عن البدايات السورية؟
لم أتابع المحاكمة العلنية لرئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا العميد عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد، إلا فجر هذا اليوم. تابعتها لا بوصفها محاكمة لشخص فقط، بل بوصفها استعادة متأخرة للحظة تأسيسية في الوعي السوري؛ تلك اللحظة التي تحولت فيها حادثة محلية في مدينة حدودية إلى انفجار هائل ابتلع دولة ومجتمعاً وجيشاً وتاريخاً.
ولأن السنوات الطويلة للحرب جعلت السوريين أسرى روايات متناقضة، فإن أي محاكمة تتصل بالبدايات تصبح أكثر من إجراء قضائي؛ إنها امتحان لذاكرة شعب، واختبار لقدرة العقل على مقاومة ما ترسخ فيه من يقينيات صنعتها السياسة والخوف والشائعة معاً.
لقد نفى عاطف نجيب كل ما نُسب إليه، وهذا طبيعي تماماً، بل إنه منسجم مع روح القانون ذاتها. فالقانون لم يمنح المتهم حق القسم على صحة أقواله عبثاً، ولم يمنع القاضي من تحليف المتهم اليمين إلا لأنه أراد أن يتيح له مساحة الدفاع الكاملة عن نفسه دون قيد نفسي أو أخلاقي قد يجعله يدين ذاته. تلك ليست ثغرة في العدالة، بل جوهرها الإنساني العميق، وتجسيد عملي للقاعدة الفقهية الشهيرة: “خير للعدالة أن يفلت ألف متهم من العقاب، من أن يُدان بريء واحد”.
ومن هنا، فإن مجرد نفي المتهم لا يعني تبرئته، لكنه أيضاً لا يجيز تحويل الاتهام إلى حقيقة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. فالقانون لا يُبنى على الانفعال، ولا على الرغبة بالانتقام، بل على الوقائع والأدلة.
غير أن القضية الأهم ليست فيما قاله عاطف نجيب أو أنكره، بل في الصورة الذهنية التي تشكلت عنه في العقل السوري منذ الأيام الأولى للأحداث. ففي سورية، لم تكن الأجهزة الأمنية تُقاس فقط بصلاحياتها الرسمية، بل بشخصية الرجل الذي يقودها. هكذا ارتبط اسم اللواء علي دوبا بالمخابرات العسكرية أكثر ممن جاؤوا بعده، رغم وجود ضباط امتلكوا قدرات استخبارية ربما كانت أعلى منه. وهكذا التصق اسم الوحدات الخاصة بعلي حيدر، رغم أن العماد علي حبيب كان من أكثر القادة العسكريين السوريين علماً وكفاءة وخبرة ميدانية.
في الأنظمة المغلقة، تتحول المؤسسة إلى ظلّ لقائدها، ويصبح اسم الرجل أقوى من البنية نفسها. ولذلك، لم يكن مستغرباً أن يتحول اسم عاطف نجيب إلى رمز كامل لكل ما جرى في درعا، سواء ثبتت مسؤوليته المباشرة أم لم تثبت.
ومع ذلك، فإن من الصعب تصديق أن فرع الأمن السياسي في درعا كان مجرد متفرج على ما حدث. فالأجهزة الأمنية، بطبيعتها، لا تقف على الحياد في لحظات الاحتقان الكبرى، خصوصاً في بيئة سورية كانت تُدار أمنياً بأدق التفاصيل. كما أن ضابطاً بموقع عاطف نجيب لم يكن ليتحرك في مدينة متوترة دون حماية ومرافقة، وأي تعرض لموكبه كان سيستدعي رداً تلقائياً من القوة المرافقة، حتى إن لم تكن المبادرة بإطلاق النار منها.
لكن النقطة الأكثر حساسية تبقى في قضية أطفال درعا؛ تلك الحادثة التي تحولت لاحقاً إلى الشرارة الرمزية للانتفاضة السورية. هنا، يبدو أن الذاكرة السورية اختزلت الوقائع واختلطت فيها الأدوار إلى حد بعيد.
فمن يعرف طبيعة عمل الأجهزة الأمنية السورية في تلك المرحلة يدرك أن الاعتقال، وفق ما توافر لاحقاً من معلومات وشهادات، كان أقرب إلى اختصاص فرع المخابرات العسكرية، لا الأمن السياسي. بل إن روايات عديدة تحدثت عن وجود الأطفال في فرع فلسطين التابع لشعبة المخابرات العسكرية في دمشق، لا في مقر الأمن السياسي بدرعا.
وهنا تتدخل الشائعة لتصنع “الحقيقة الشعبية”. فالأطفال، بحكم صغر السن والخوف والارتباك، قد لا يكونون قادرين على التمييز بين الفروع والأجهزة والأشخاص. وإذا جرى إطلاق سراحهم من مقر حزبي أو أمني بحضور عاطف نجيب، فإن ذاكرة الخوف ستربط المشهد كله باسمه، خصوصاً أن الرجل كان يمتلك حضوراً أمنياً طاغياً وسمعة سبقت الوقائع نفسها.
الأخطر من ذلك أن السوريين، في تلك المرحلة، كانوا مهيئين نفسياً لتصديق أي رواية تُقال عن السلطة. وهنا تحديداً تظهر القوة الهائلة للشائعة في تشكيل الرأي العام. فالشائعة لا تحتاج إلى دليل بقدر حاجتها إلى بيئة متوترة ومستعدة للتصديق.
ولعل المثال الأوضح على ذلك، الشائعة التي انتشرت يومها عن لقاء الوفد الدرعاوي ببشار الأسد، حين قيل إن أحدهم سأله: لماذا لا يُقال عاطف نجيب؟ فجاء الرد المزعوم: “حتى ما تزعل خالته”. جملة سوقية وتافهة، لكنها انتشرت كالنار في الهشيم حتى تحولت إلى حقيقة راسخة في وعي السوريين.
اليوم، يقول عاطف نجيب إنه أُقيل بعد خمسة أيام فقط من بداية الأحداث ووُضع قيد الإقامة الجبرية في دمشق. سواء صدق الرجل أم لا، فإن هذه الرواية وحدها تكفي لإسقاط تلك الشائعة التي تعامل معها السوريون لسنوات وكأنها واقعة موثقة.
وهنا تتجلى المأساة الكبرى: في الأزمنة المضطربة، لا يصنع الرأي العام ما حدث فعلاً، بل ما يُعتقد أنه حدث.
لقد كانت سورية آنذاك أرضاً خصبة للاحتقان، وهذا لا ينكره عاقل. لكن الاحتقان وحده لا يكفي لتفسير الانهيار الكامل الذي تلا ذلك. فما جرى لم يكن مجرد انفجار غضب شعبي عفوي، كما أنه لم يكن أيضاً مؤامرة خالصة تتحرك بخيوط خارجية فقط. الحقيقة أكثر تعقيداً من الروايتين معاً.
غير أن تجاهل البعد الإقليمي والدولي لما جرى يبدو نوعاً من السذاجة السياسية. فالمنطقة كلها كانت تعيش زمن إعادة تشكيل كبرى تحت عناوين مثل “الشرق الأوسط الجديد” و”الفوضى الخلاقة”، وكانت سورية، بحكم موقعها وتحالفاتها وعلاقتها التاريخية بروسيا ورفضها مشاريع الطاقة الإقليمية، هدفاً طبيعياً للتجاذبات الدولية والإقليمية.
كما أن المال السياسي والإعلامي الخليجي، وخصوصاً القطري، لعب دوراً بالغ التأثير في تضخيم السردية التعبوية وتحويل الاحتجاجات سريعاً إلى مشروع صدام مفتوح. وما تبع ذلك من عسكرة وأسلمة لم يكن تطوراً عفوياً بالكامل، بل جزءاً من مسار انتهى إلى تفكيك الدولة والمجتمع معاً.
ومع ذلك، فإن أكبر أخطاء النظام السوري آنذاك لم تكن فقط في طريقة تعامله الأمني، بل في عجزه عن فهم قوة الشائعة. فالسلطة التي اعتادت احتكار الرواية الرسمية لم تدرك أن عصر الصورة والفضائيات والهواتف المحمولة جعل السيطرة على الوعي أمراً مستحيلاً.
وفي اللحظة التي فقدت فيها الدولة قدرتها على الإقناع، أصبحت الشائعة أقوى من البيان الرسمي، وأشد تأثيراً من الوقائع ذاتها.
وهكذا، ربما لا تكمن أهمية محاكمة عاطف نجيب في إدانته أو تبرئته، بل في أنها تعيد طرح السؤال الذي لم يجرؤ السوريون بعد على مواجهته بصدق:
هل عرفنا حقاً كيف بدأت الكارثة… أم أننا ما زلنا أسرى الروايات التي صاغها الخوف والغضب والإعلام والشائعة؟