
بين السيادة المؤجلة وإدارة الأمر الواقع: مفاوضات دمشق و«قسد» عند حافة التعطيل
لا تبدو المفاوضات بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» في مسارٍ حاسم، بل في حالة “تثبيت نقاط خلاف” أكثر منها انتقالاً نحو تسوية. فالمشهد في شمال وشرق سوريا لا يزال محكوماً بتوازنات دقيقة: قوة عسكرية تسيطر على الأرض، وحكومة مركزية في دمشق ترفض تكريس واقعٍ إداري أو عسكري موازٍ للدولة.
وعند تفكيك العقد الأربع التي ذكرتها، يتضح أن جوهر الأزمة ليس تفاصيل تقنية، بل سؤال الدولة ذاته: من يحتكر القوة؟ ومن يعرّف السيادة؟
أولاً: السلاح الثقيل… جوهر السيادة لا التفصيل العسكري
امتناع «قسد» عن تسليم السلاح الثقيل لا يمكن قراءته كإجراء احترازي فقط، بل كضمانة سياسية لبقاء القدرة التفاوضية.
لكن في المقابل، ترى دمشق أن احتكار السلاح الثقيل هو الخط الفاصل بين الدولة واللا دولة.
من منظور الدولة المركزية، لا يمكن قبول نموذج “قوة عسكرية مستقلة داخل جيش الدولة”، لأن ذلك يخلق جيشين داخل جغرافيا واحدة، ويؤسس عملياً لازدواجية سيادية مهما كانت الصياغات القانونية.
ثانياً: المدن الكبرى… عقدة السيطرة أم عقدة الرمزية؟
عدم تسليم المدن الكبرى يعكس أن المسألة ليست أمنية فقط، بل سياسية بامتياز.
فالمدن ليست مجرد مراكز سكانية، بل رموز حكم وإدارة وشرعية.
استمرار إدارة هذه المدن خارج الإطار المركزي يعني أن السلطة الفعلية ما تزال موزعة، وأن فكرة “الدولة الواحدة” تبقى حتى الآن نظرية أكثر منها واقعاً.
ثالثاً: معبر سيمالكا… شريان اقتصاد أم نقطة سيادة؟
يبقى معبر سيمالكا من أكثر الملفات حساسية، لأنه ليس مجرد معبر حدودي، بل بوابة اقتصادية وسياسية تربط مناطق الإدارة الذاتية بالخارج.
رفض تسليمه أو إخضاعه الكامل لدمشق يعني استمرار استقلالية القرار الاقتصادي واللوجستي، وهو ما تعتبره الحكومة تقويضاً مباشراً لوحدة القرار السيادي.
رابعاً: خصوصية التشكيلات العسكرية… دولة داخل دولة
المطلب الأكثر حساسية هو الإبقاء على “خصوصية الألوية”، بحيث لا تخضع للتسريح أو التطويع الكامل من وزارة الدفاع.
وهنا تكمن الإشكالية الجوهرية:
هل يمكن بناء جيش وطني بوجود تشكيلات مسلحة تحتفظ بحق الاستقلال الوظيفي داخل بنية الدولة؟
من وجهة نظر دمشق، هذا الشرط يعني عملياً تكريس “جيش موازٍ”، حتى لو تم تغليفه بصيغ إدارية أو قانونية.
إلى أين تتجه الأمور في الحسكة؟
الحسكة، ومعها عموم شمال شرق سوريا، تبدو اليوم في حالة “استقرار هش” لا “حل نهائي”.
فالواقع الحالي أقرب إلى إدارة توازنات مؤقتة:
- لا اندماج كامل داخل الدولة
- ولا انفصال معلن
- ولا اتفاق نهائي على صيغة حكم ذاتي واضحة ومعترف بها دستورياً
وهذا النوع من “اللا-حل” غالباً ما يكون قابلاً للاهتزاز عند أي تغير إقليمي أو دولي.
ماذا على الحكومة أن تفعل؟
إذا أرادت دمشق معالجة هذا الملف دون انفجار أو تفكك إضافي، فالمقاربة الأمنية وحدها لا تكفي، كما أن التنازل السياسي غير المنضبط قد يفتح باب كيان موازٍ دائم.
يمكن تلخيص الخيارات العقلانية في ثلاث مسارات متوازية:
-
إطار دستوري واضح للإدارة المحلية
يمنع الفوضى دون أن يكرّس دولة داخل دولة، ويحدد بدقة صلاحيات الإدارة الذاتية ضمن السيادة المركزية. -
دمج تدريجي للقوات ضمن وزارة الدفاع
عبر مراحل، مع الحفاظ على حقوق الأفراد لا التشكيلات المستقلة، بحيث تكون الهوية العسكرية وطنية لا فصائلية. -
إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية مع المركز
بما في ذلك المعابر والموارد، بحيث لا تبقى أي منطقة خارج المنظومة المالية للدولة.
الخلاصة
الأزمة بين دمشق و«قسد» ليست أزمة بنود عالقة، بل أزمة تعريف الدولة نفسها:
هل هي دولة مركزية كاملة السيادة؟ أم اتحاد أقاليم بقدرات عسكرية وإدارية مستقلة؟
ما لم يُحسم هذا السؤال، ستبقى المفاوضات تدور في حلقة تفاوضية مغلقة، تتقدم خطوة وتعود خطوتين، بينما تبقى الحسكة على حافة “استقرار غير مكتمل”… ينتظر فقط من يعيد رسم قواعد اللعبة، لا تفاصيلها.