
بين الطائفية والسلطة في سورية، قراءة هادئة بعيداً عن الاتهامات الجاهزة:
كثيراً ما يُختزل المشهد السوري، وخصوصاً في مرحلة حكم حزب البعث وعائلة الأسد، في خطاب طائفي مبسط يحمّل طائفة كاملة مسؤولية نظام سياسي معقد امتد لعقود. ويُروَّج أحياناً لفكرة أن النظام السابق كان نظاماً علوياً خالصاً، وأن السلطة والثروة والقرار كانت حكراً على طائفة بعينها، بينما الواقع السياسي والإداري والعسكري يكشف صورة أكثر تعقيداً وتشابكاً.
فعند مراجعة أسماء كبار المسؤولين الذين شغلوا مواقع حساسة في الدولة السورية، من وزراء دفاع ورؤساء أجهزة أمنية ورؤساء أركان ووزراء داخلية ومستشارين وقادة عسكريين، نجد أن عدداً كبيراً منهم كانوا من أبناء الطائفة السنية، وبعضهم كان من أبرز أعمدة النظام وأكثرهم قرباً من مركز القرار. من مصطفى طلاس إلى حكمت الشهابي، ومن علي مملوك إلى حسن تركماني، ومن عبد الفتاح قدسية إلى هشام بختيار، وصولاً إلى شخصيات سياسية واقتصادية ودينية لعبت أدواراً مؤثرة في تثبيت بنية السلطة، يتضح أن المسألة لم تكن صراع طائفة ضد طائفة، بل شبكة مصالح وتحالفات سياسية وأمنية عابرة للانتماءات المذهبية.
حتى في الدائرة الاجتماعية والاقتصادية، لم تكن الصورة أحادية كما يُصوَّر أحياناً. فقد شاركت عائلات نافذة من مختلف البيئات السورية في دعم النظام أو الاستفادة منه، كما أن مناطق كثيرة، بما فيها مناطق ذات غالبية علوية، بقيت فقيرة ومهمشة وتعاني نقص الخدمات والتنمية، ما يدل على أن الاستفادة الحقيقية لم تكن للطائفة ككل، بل لفئة ضيقة مرتبطة بمركز السلطة والنفوذ.
إن اختزال المأساة السورية في توصيف “حكم طائفة لطائفة” هو تبسيط خطير، لأنه يحوّل الصراع من كونه قضية استبداد سياسي وفساد سلطوي إلى معركة اجتماعية بين مكونات الشعب الواحد. وهذا بالضبط ما يخدم الأنظمة المستبدة؛ إذ يجعل الناس يتقاتلون فيما بينهم بدل أن يوجهوا السؤال الحقيقي: من احتكر القرار؟ ومن نهب الدولة؟ ومن صادر الحريات؟
ليس من العدل أن يُدان إنسان بسبب طائفته، كما ليس من المنطق أن يُبرَّأ آخر فقط لأنه ينتمي إلى طائفة مختلفة. المسؤولية السياسية مسؤولية أفراد ومؤسسات، لا مسؤولية جماعات مذهبية بأكملها. فالظلم لا مذهب له، والاستبداد لا ينتمي إلى طائفة، بل إلى منظومة مصالح تستخدم الجميع وتضحي بالجميع عند الحاجة.
لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً بسبب هذا الخطاب الانقسامي، حيث تحولت الاتهامات المتبادلة إلى وقود دائم للفتنة، وتراجع الحديث عن العدالة والمحاسبة لصالح لغة الثأر والاصطفاف الطائفي. والحقيقة أن السوريين جميعاً، سنة وعلويين ومسيحيين ودروزاً وأكراداً وغيرهم، كانوا ضحايا بدرجات مختلفة لمنظومة حكم مغلقة قامت على الأمن والخوف والولاء الشخصي.
خاتمة: كيف نخرج من دائرة الاتهامات؟
الخروج من هذا الإرث الثقيل يبدأ بالاعتراف بأن التعميم ظلم، وأن تحميل جماعة كاملة أخطاء السلطة ليس عدالة بل إعادة إنتاج للمأساة. المطلوب اليوم هو ترسيخ مفهوم الدولة المدنية التي تقوم على المواطنة لا الطائفة، وعلى القانون لا الولاء، وعلى المحاسبة الفردية لا الانتقام الجماعي.
كما يجب تعزيز ثقافة الحوار والوعي التاريخي، ورفض الخطاب التحريضي الذي يبني الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد. فالمستقبل لا يُبنى بالثأر، بل بالعدالة؛ ولا بالتحريض، بل بالمصالحة القائمة على الحقيقة والإنصاف.
سوريا لا تحتاج إلى تبادل الاتهامات بقدر ما تحتاج إلى شجاعة مواجهة الحقيقة كاملة: المشكلة لم تكن في طائفة، بل في الاستبداد نفسه.