
بين التضامن والانتقائية: قراءة في مشهد الاحتجاجات وحدود الأحكام المطلقة
تتحرك المجتمعات عادة في لحظات التوتر السياسي وفق توازنات معقدة لا يمكن اختزالها في ثنائية بسيطة بين “الصدق” و”النفاق”، أو بين “الوعي” و”التضليل”. ومن هنا، فإن التعامل مع أي حراك شعبي بوصفه دليلاً قاطعاً على نفاق شعب أو سلطة، هو تبسيط مخلّ يتجاهل طبيعة الاجتماع السياسي نفسه، وتعقيداته النفسية والإعلامية والأمنية.
الاحتجاجات التي شهدتها بعض المناطق السورية تنديداً بالانتهاكات الإسرائيلية ليست حدثاً معزولاً عن السياق الإقليمي. فالقضية الفلسطينية، تاريخياً، كانت وما تزال واحدة من أكثر القضايا قدرة على حشد ردود فعل شعبية واسعة في العالم العربي، بغض النظر عن الموقف الداخلي من السلطة أو من السياسات المحلية. وهذا وحده كفيل بتفسير جانب كبير من هذه التحركات دون الحاجة إلى افتراضات مسبقة حول “التوجيه” أو “الاستغلال السياسي”.
في المقابل، لا يمكن القفز فوق سؤال الشرعية السياسية لأي حراك جماهيري، ولا تجاهل احتمال أن تكون بعض الفعاليات محاطة بدرجات متفاوتة من التنظيم أو التوظيف السياسي. لكن تحويل هذا الاحتمال إلى حكم شامل بأن الحراك “مدفوع بالكامل” من السلطة، هو قفزة استنتاجية لا تستند إلى دليل، بقدر ما تعكس موقفاً مسبقاً أكثر مما تعكس قراءة موضوعية للواقع.
الأهم من ذلك أن توصيف المجتمع أو السلطة بوصفهما كياناً “منافقاً” لا يساعد في فهم أي شيء، بل يساهم في تعميق الانقسام وإغلاق باب النقاش العقلاني. فالمجتمع ليس كتلة واحدة متجانسة، ولا السلطة كذلك. داخل كل بنية سياسية هناك تباينات في المواقف، واختلاف في درجات الوعي، وتفاوت في القدرة على الفعل أو الصمت أو الاعتراض.
من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن السنوات الماضية في سوريا أنتجت شرخاً عميقاً في الثقة بين الدولة والمجتمع، وأن هذا الشرخ انعكس على طريقة قراءة الناس لأي حدث عام، بما في ذلك الاحتجاجات ذات الطابع الخارجي. فالمواطن الذي عاش تجربة حرب طويلة، وانقسام حاد، يصبح أكثر ميلاً للريبة، وأكثر حساسية تجاه أي فعل جماعي، وأكثر استعداداً لتأويله سياسياً.
لكن رغم ذلك، يبقى من غير المنطقي اختزال كل حركة شعبية في اتهام أخلاقي شامل. فالمواقف الإنسانية تجاه قضايا مثل فلسطين، على سبيل المثال، لا يمكن قياسها فقط بمعيار الموقف من الداخل السياسي. قد يلتقي الخصوم السياسيون في الشارع حول قضية خارجية دون أن يعني ذلك تطابقاً في الرؤى أو المصالح أو المواقف من الشأن المحلي.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود مظاهرات أو في غيابها، بل في غياب الثقة العامة التي تسمح بقراءة هذه الأحداث بعيداً عن الشك المطلق أو التصديق المطلق. فالمجتمع الذي فقد أدوات النقاش المتوازن يميل إما إلى التقديس أو إلى التخوين، وكلاهما يبتعد عن الفهم الحقيقي للواقع.
في النهاية، لا يمكن بناء وعي سياسي سليم على أساس اتهام شامل للشعب أو للسلطة. فالتوصيفات المطلقة قد تمنح شعوراً مؤقتاً بالوضوح، لكنها في الواقع تُغلق باب الفهم وتُبقي الأزمة في مكانها. المطلوب ليس إصدار أحكام عامة، بل تفكيك السياق، وفهم التناقضات، والاعتراف بأن الواقع السياسي أكثر تعقيداً من أن يُختصر بكلمة واحدة، أياً كانت قسوتها.