
بين الذاكرة والمسؤولية: سيرة تعبٍ ووفاء
ما زال بعض من الطيبين الذين مرّوا في حياتي، من شباب وشابات، يحتفظون بخيط تواصلٍ لم ينقطع حتى هذه اللحظة. وهي حياة مهنية ووظيفية أزعم أني عشتها بقدر من المهنية، وعمق الانتماء لسورية والسوريين، وبشعور دائم بالمسؤولية تجاه ما كنت أقوم به من أدوار ومهام.
اليوم، وأنا أقترب من مرحلة متقدمة من العمر، أشعر بثقل السنوات لا كفكرة مجردة، بل كواقعٍ جسدي ونفسي واضح. فقد رافقني الاكتئاب في السنوات الأخيرة، حتى قطع في لحظة ما صلتي ببعض المساحات الروحية التي اعتدت أن أراها جزءاً من توازني الداخلي. ومع الوقت، لم يبق الأمر في حدود الحالة النفسية، بل انعكس على الجسد، فظهرت أعراض أربكت الأطباء، ولم أجد لها علاجاً حاسماً، ما جعلني أبتعد مؤخراً عن متابعة الزيارات الطبية، إيماناً بأن لكل أجلٍ كتاب.
ومع ذلك، لا يغيب عني شعورٌ غريب بالرضا حين أسمع كلمات تقدير أو إطراء من أشخاص عرفوني في مراحل مختلفة من حياتي. بعضهم ما زال يتعامل معي وكأنني على ذات الوتيرة القديمة من الحضور والعطاء، ويمنحني أمنياتٍ صادقة بأن أكون في مواقع ومسؤوليات جديدة. بل إن بعضهم ما زال يناديني بلقب “رفيق” كما اعتاد في زمن مضى، في إشارة تقدير لا أكثر.
أما اليوم، فبصراحة، لم أعد أملك من القدرة ما يسمح بالعودة إلى مواقع المسؤولية التي تتطلب جهداً جسدياً وذهنياً كاملاً. يكفي أن آخر ما طُرح عليّ من مهام قبل مغادرتي دمشق كان منصباً تنفيذياً على مستوى محافظة، وقد تم حينها لقاءٌ رسمي مع أحد المسؤولين الكبار، وانتهى الحديث بكلمة إنسانية لافتة بقيت في الذاكرة، تعكس تقديراً شخصياً أكثر من كونها قراراً إدارياً.
لكن التجربة الأهم التي أخرج بها اليوم ليست في المواقع ولا في الترشيحات، بل في فهم أعمق لمعنى المسؤولية العامة. فالمناصب، في جوهرها، ينبغي أن تُبنى على معايير الكفاءة والقدرة والعدالة، وعلى مفهوم الدولة التي تتسع لجميع مواطنيها دون استثناء، بحيث تكون الأولوية فيها للعلم والخبرة والالتزام الحقيقي بالمصلحة العامة، لا لأي اعتبارات ضيقة أو ظرفية.
في نهاية المطاف، تبقى السيرة الشخصية مزيجاً من نجاحات وإخفاقات، من حضور وتراجع، ومن ذاكرة لا تُختصر في موقع أو لقب، بل في الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين، وفي المعنى الذي يمنحه لسنواته، حتى حين يهدأ كل شيء وتبقى الكتابة وحدها شاهدة على ما كان.