
بين التهديد والهاوية: هل تعود لغة النار إلى الملف الإيراني؟
تبدو السياسة الدولية أحياناً وكأنها تقف على حافة مزاج فردي أكثر من كونها محكومة بمؤسسات واستراتيجيات طويلة الأمد. وفي هذا السياق، يعود الخطاب التصعيدي بين واشنطن وطهران إلى الواجهة، حاملاً معه نبرة تهديد قصوى تربط الزمن القصير بالوعيد الكبير، وكأن العالم كله يُدار بمنطق الإنذار الأخير.
الحديث عن مهلة لا تتجاوز يومين، مقرونة بوعيد شديد اللهجة، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تصريح عابر في سجال سياسي. إنه يعكس نمطاً متكرراً في إدارة الأزمات مع إيران، يقوم على الضغط النفسي السريع، ورفع سقف التهديد إلى الحد الأقصى قبل أي محاولة لإعادة فتح قنوات التفاوض، لكن هذه المرة فالوضع مختلف تماما فإنذار ترامب يتم في ظل استخدام القوة أو تحت قوة النار لكنه لا اله عن بعد، غير أن هذا النمط نفسه أثبت عبر السنوات أنه سلاح ذو حدين: قد يخلق ارتباكاً لحظياً، لكنه لا يضمن تغييراً استراتيجياً في موقف الخصم.
إيران، من جهتها، لا تتعامل مع هذه اللغة بوصفها مفاجأة. فقد تراكمت لديها خبرة طويلة في إدارة التوتر مع الولايات المتحدة، وتعلمت كيف تمتص الصدمات السياسية والإعلامية، وتحوّلها إلى أدوات تعبئة داخلية أو أوراق تفاوضية. لذلك، فإن رفع سقف التهديد إلى مستوى “الهاوية” لا يعني بالضرورة اقتراب الحل، بقدر ما قد يعني دفع الأطراف إلى مزيد من التشدد.
المعضلة الأساسية هنا ليست في قوة الخطاب، بل في محدودية نتائجه. فالتاريخ القريب يوضح أن كل موجة تصعيد لفظي كبرى في هذا الملف كانت تنتهي غالباً إلى أحد مسارين: إما العودة إلى طاولة التفاوض بشروط معدلة، أو الانزلاق إلى جمود طويل لا حرب فيه ولا سلام. وفي الحالتين، لا يتحقق الحسم الذي توحي به لغة التهديد القصوى.
الأخطر في هذا النوع من التصريحات أنه يرفع منسوب التوقعات العامة بشكل غير واقعي. فحين يُقدَّم الصراع وكأنه على وشك الانفجار خلال أيام، يصبح أي تراجع لاحق عن هذا السيناريو بمثابة خسارة سياسية لصاحب الخطاب، ويزيد من صعوبة التحول نحو الدبلوماسية الهادئة. وهكذا يتحول التصعيد اللفظي إلى قيد على من أطلقه قبل أن يكون ضغطاً على الطرف الآخر.
في جوهر المشهد، لا يبدو أن المنطقة تحتاج إلى مزيد من “الجحيم” اللفظي أو السياسي، بقدر ما تحتاج إلى هندسة دقيقة لتوازن الردع والمصالح. فالقوة وحدها لم تُنتج حلاً مستداماً في هذا الملف، كما أن التنازلات غير المدروسة لم تفعل ذلك أيضاً. بين هذين الحدّين، تتحرك الدبلوماسية الحقيقية، البعيدة عن لغة الإنذار والاقتراب من الحافة.
يبقى السؤال الأهم: هل يمكن تحويل لحظة التصعيد هذه إلى نافذة تفاوض، أم أن العالم مقبل على فصل جديد من إدارة الأزمات عبر حافة الهاوية؟ الإجابة، كما في كل مرة، لن تأتي من صخب التصريحات، بل من قدرة الأطراف على كبح اندفاع اللغة قبل اندفاع الأحداث.