
بين التصعيد والاستنزاف: هل تتجه المواجهة الكبرى نحو حرب لا رابح فيها؟
إذا ما افترضنا—افتراضًا نظريًا لا حكمًا على واقعٍ قائم—أن مواجهة عسكرية جديدة اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإننا لن نكون أمام نسخة مكررة من جولات سابقة، بل أمام مسار تصعيدي مختلف في طبيعته وحدّته وحدود أدواته.
في أي جولة قادمة، من المرجح أن تتعامل إيران مع الحرب—إن وقعت—بمنطق مختلف عمّا ظهر في المواجهات السابقة. فالحروب، خصوصًا حين تتكرر بين الخصوم أنفسهم، لا تعيد إنتاج ذاتها، بل تتراكم خبراتها، ويُعاد تشكيل أدواتها، ويُعاد تعريف “الردع” فيها. وعليه، فإن تصور مواجهة أكثر حدة من الناحية الإيرانية ليس بعيدًا من حيث المنطق الاستراتيجي العام، لأن كل طرف يدخل الجولة التالية وهو محمّل بتجربة الجولة السابقة، وما كشفته من ثغرات ونقاط قوة.
لكن الأخطر في هذا السيناريو ليس فقط في “حدة الرد”، بل في طبيعة التحول في مصادر السلاح والدعم. فإيران، في حال اتساع رقعة الصراع، قد تجد نفسها أكثر انفتاحًا على منظومات تسليح غير غربية، سواء عبر روسيا أو الصين أو حتى كوريا الشمالية. هذا لا يعني بالضرورة نقلًا مباشرًا أو علنيًا للعتاد، بقدر ما يعني توسع دائرة الدعم غير التقليدي في مواجهة نظام عقوبات وضغط غربي طويل الأمد.
وفي هذا السياق، لا تبدو الحرب—إن اندلعت—مجرد مواجهة ثنائية، بل أقرب إلى اختبار إرادات دولية متشابكة، حيث تسعى قوى كبرى إلى إرباك ميزان القوة الأمريكي عبر ساحات غير مباشرة، وتحويل أي مواجهة إلى مساحة استنزاف طويلة. وهنا تحديدًا يظهر منطق “إغراق الخصم” في مسار استنزافي لا يمنحه حسمًا سريعًا ولا كلفة منخفضة.
أما على مستوى الدفاعات الجوية وأدوات الاعتراض، فإن أي حرب جديدة لن تكون امتدادًا ميكانيكيًا لما سبق. فكل طرف يعيد تقييم أدواته، ويطوّر أساليبه، ويبحث عن تجاوز إخفاقاته السابقة. وبالتالي فإن الحديث عن تكرار نتائج ميدانية بعينها لا يمكن التعامل معه كمعطى ثابت، بل كاحتمال يخضع لتغيرات التكنولوجيا والتكتيك والظروف السياسية المحيطة.
لكن النقطة الجوهرية في كل ذلك تبقى أعمق من تفاصيل السلاح والردع: إنها سؤال الاستنزاف. فالحروب بين قوى غير متكافئة تقليديًا تتحول سريعًا إلى حروب استنزاف متبادلة، حيث لا يكون الهدف الحسم الكامل بقدر ما يصبح الهدف إطالة النفس، وكسر الإرادة، ورفع الكلفة إلى حدّ يجعل الاستمرار غير منطقي.
وفي هذا الإطار، فإن أي مواجهة واسعة في الخليج أو محيطه لن تبقى محصورة بين طرفين، بل ستتحول إلى عقدة صراع دولي مفتوح، تتداخل فيه مصالح روسيا والصين والولايات المتحدة، وتُدار فيه الرسائل بالنار بقدر ما تُدار بالدبلوماسية.
في النهاية، يبقى السيناريو برمته—رغم منطقيته التحليلية في سياق التوترات القائمة—سيناريو شديد الخطورة، لأن الحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا بقرار واضح، بل أحيانًا تبدأ بسوء تقدير، ثم تتوسع خارج قدرة الجميع على ضبطها.