
بين التصريحات والبيانات: ضجيج المعركة التي لا تُحسم بالكلمات.
في زمنٍ تتداخل فيه الحرب مع الإعلام، وتتحول فيه الكلمات إلى ما يشبه الذخيرة الرمزية، يصبح الفرق بين “تصريح” و“بيان” فرقاً أكبر من مجرد صياغة لغوية. الفرق هنا قد يحدد اتجاه الفهم العام لمعركةٍ طويلة ومعقدة، تُخاض على الأرض كما تُخاض في العقول.
القصة بدأت من جملة قيل إنها نُقلت على لسان ضيف في قناة الجزيرة، بدا متحمساً، وربما مأخوذاً بسياق التحليل أكثر من دقة التوثيق. جملة واحدة كانت كفيلة بإثارة الانتباه: أن الجيش الإسرائيلي أصدر “بياناً” غير مسبوق يقر فيه بأنه لن يستطيع نزع سلاح حزب الله.
جملة من هذا النوع، لو كانت صحيحة حرفياً، لكانت كفيلة بإحداث صدى سياسي وإعلامي واسع، لأنها تُقرأ فوراً بوصفها اعترافاً بالعجز، أو على الأقل إعادة تعريف لأهداف الحرب. لكن المفارقة أن هذا “البيان” لم يظهر في أي مصدر رسمي، ولم يتصدر أي نشرة أخبار، ولم يُسجَّل كتحول معلن في العقيدة العسكرية.
ومع التدقيق، يتضح أن الأمر لا يتجاوز حدود التصريحات المنسوبة إلى مسؤولين عسكريين إسرائيليين رفيعي المستوى. تصريحات، لا بياناً. وهنا يبدأ الفارق الحقيقي في التشكل.
فالمضمون الذي جرى تداوله يدور حول فكرة أكثر تعقيداً: أن “نزع سلاح حزب الله” لم يعد هدفاً عملياتياً مباشراً في المرحلة الحالية. أي أن التركيز انتقل، وفق هذا الطرح، إلى هدف أكثر واقعية من منظور عسكري ميداني: إضعاف القدرات، تقليص التهديد، وإبعاد البنية العسكرية عن الحدود الشمالية، بدل الدخول في مشروع شامل لنزع السلاح بالكامل.
وهذا التحول، إن صحّت دلالاته، لا يعني تراجعاً بقدر ما يعني إعادة ترتيب للأولويات. فالحروب الحديثة كثيراً ما تُدار بمنطق “إدارة الخطر” لا “إزالته الكاملة”، خصوصاً عندما يكون الخصم متجذراً في جغرافيا مدنية معقدة، ومندمجاً في نسيج اجتماعي واسع، يجعل أي عملية شاملة أقرب إلى المستحيل العملي.
ومن هنا جاءت الإشارة الأهم في تلك التصريحات: أن تنفيذ مهمة بحجم نزع السلاح الكامل، في حال تم تبنيها، سيعني عملياً الدخول إلى كل قرية ومدينة يُعتقد بوجود عناصر فيها، وهو ما يصطدم بالواقع الميداني والسياسي والقانوني في آن واحد.
لكن في المقابل، برزت نقطة أخرى لا تقل أهمية في الخطاب المنقول: التأكيد على أن الجهة الوحيدة القادرة نظرياً على تنفيذ مثل هذه المهمة، هي القوة العسكرية الإسرائيلية نفسها، وليس الجيش اللبناني أو الدولة اللبنانية. وهذه الجملة تحديداً تحمل بعداً سياسياً بقدر ما تحمل بعداً عسكرياً، لأنها تعكس تصوراً لدور الدولة وحدودها في معادلة القوة القائمة.
هكذا، بين سطور التصريحات، تتشكل صورة مختلفة عن تلك التي تُختزل في عناوين الإعلام الصاخبة. ليست إعلان هزيمة، ولا إعلان انتصار، بل إعادة تعريف للأهداف، وتعديل في سقف الطموحات العسكرية، في حرب طويلة لا يبدو أنها تُحسم بالشكل التقليدي للحروب.
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن هنا فقط، بل في الطريقة التي تتحول بها “التصريحات” إلى “بيانات” في الوعي العام، وكيف يمكن لجملة غير دقيقة في نقلها أو تفسيرها أن تصنع انطباعاً استراتيجياً كبيراً، قبل أن تعود الوقائع لتعيدها إلى حجمها الحقيقي.
وفي النهاية، يبقى الفارق بين “الأماني” و”الواقع” هو المساحة التي تتحرك فيها كل هذه السرديات. مساحة واسعة، ضبابية، ومفتوحة على التأويل، أكثر مما هي مساحة لحسمٍ نهائي أو إعلان قاطع.