
بين الوهم والسيادة… السويداء في مهبّ المشاريع الصغيرة:
في لحظات الاضطراب الكبرى، لا يكون الخطر في البنادق وحدها، بل في الأفكار التي تُسوَّق بوصفها خلاصاً سريعاً، بينما تخفي في جوهرها بذور التفكك. ما يُتداول اليوم حول السويداء، من حديث عن “دولة الباشان” أو “ممرات آمنة” أو وعود بغطاء دولي، ليس مجرد جدل سياسي عابر، بل مرآة لحالة هشاشة يُراد لها أن تتحول إلى واقع دائم.
التصريحات المنسوبة إلى إليزابيث تسوركوف تضع الأمور في سياق أكثر واقعية مما يُراد ترويجه. فحين يُقال إن لا دعم إسرائيلي ولا أمريكي لمشروع دولة منفصلة في السويداء، فإن ذلك لا يعكس حرصاً على وحدة سوريا بقدر ما يكشف حدود البراغماتية السياسية: إدارة الأزمة، لا حلّها. إبقاء الأمن المحلي بيد أبناء المنطقة قد يبدو طرحاً عملياً في الظاهر، لكنه في العمق يكرّس العزلة ويؤسس لواقع رمادي، لا هو دولة ولا هو اندماج حقيقي.
في المقابل، يظهر خطاب أيوب قرا كنموذج صارخ لكيف يمكن للوهم أن يتحول إلى أداة استثمار سياسي. وعود بفتح معابر، اعترافات دولية، منح تعليمية حصرية—كلها عناوين براقة، لكنها حين تُفحص، تتكشف كفقاعات إعلامية أكثر منها مشاريع قابلة للتحقق. الأخطر من ذلك ليس في زيف هذه الوعود، بل في قدرتها على التسلل إلى مجتمع أنهكته الصدمات، فيبحث عن أي أمل، حتى لو كان هشاً.
المعضلة الحقيقية لا تكمن فقط في الخارج، بل في الفراغ الداخلي. غياب قيادة سياسية جامعة، قادرة على ترجمة مصالح الناس ضمن إطار وطني، فتح الباب أمام تعدد المشاريع وتضاربها. وفي هذا الفراغ، تتحول السويداء من فاعل إلى ساحة، ومن صاحب قرار إلى موضوع للاستثمار—سياسياً ومالياً وحتى إنسانياً.
ما يُثار عن شبكات أموال مشبوهة تعمل تحت عناوين إنسانية يزيد الصورة قتامة. فحين تختلط المأساة بالربح، يصبح الدم سلعة، وتتحول القضية إلى ملف قابل للمساومة. وهنا تحديداً تتقاطع المصالح الصغيرة مع المشاريع الأكبر، لتنتج واقعاً مفككاً لا يخدم إلا من يراهن على إضعاف الدولة والمجتمع معاً.
ليست السويداء جزيرة معزولة، ولم تكن يوماً كذلك. تاريخها، وهويتها، وتضحيات أبنائها، كلها كانت جزءاً من نسيج سوري أوسع. وأي محاولة لاقتلاعها من هذا السياق، مهما غُلّفت بشعارات الحماية أو الخصوصية، تحمل في طياتها خطراً وجودياً، لا سياسياً فقط.
الرهان اليوم ليس على نفي هذه المشاريع بالكلام، بل على استعادة المعنى: معنى الدولة، ومعنى الشراكة، ومعنى أن تكون المصلحة العامة فوق كل اعتبار. فالمشاريع التي تولد من الخوف قد تمنح شعوراً مؤقتاً بالأمان، لكنها غالباً ما تنتهي بتكريس الخوف نفسه.
في النهاية، لا تُقاس قوة المجتمعات بما يُعرض عليها من حلول، بل بقدرتها على التمييز بين ما ينقذها فعلاً… وما يبيعها وهماً بثمن باهظ.