
بين أنابيب الأمس وممرات الغد: براغماتية متأخرة أم فرصة أخيرة؟
في تصريح لافت، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع من ألمانيا أن سورية، رغم ما أصابها من دمار هائل، تمتلك مقومات التحول إلى ملاذ آمن لسلاسل التوريد العالمية وإمدادات الطاقة. عبارة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى طموح سياسي مشروع، لكنها في العمق تعكس تحوّلًا حادًا في العقل السياسي السوري:
من موقع الرفض الراديكالي إلى تبنّي براغماتية صريحة، بل مُعلنة دون مواربة...
هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الطويل الذي دفع سورية إلى حافة الانهيار، فخلال عقد ونصف، لم يكن الخراب نتيجة عامل واحد، ولا يمكن اختزاله في سردية واحدة، نعم، خرج السوريون إلى الشوارع بمطالب محقة تتعلق بالحرية والكرامة والإصلاح، لكن تلك المطالب – على عدالتها – لم تكن وحدها كافية لتفسير حجم المأساة التي تلت، كون ما حدث كان أكبر من احتجاج، وأعمق من أزمة داخلية...
في قلب هذا التعقيد، تبرز زاوية قلّما يتم تناولها بوضوح:
البعد الجيوسياسي المرتبط بالطاقة. لقد شكّل رفض النظام السابق تمرير أنابيب الغاز القادمة من قطر عبر الأراضي السورية نحو تركيا ثم إلى أوروبا، نقطة تقاطع حادة بين السياسة والاقتصاد والاستراتيجية، فهذا الرفض لم يكن تقنيًا ولا إداريًا، بل كان قرارًا سياديًا منحازًا إلى تحالفات قائمة، وفي مقدمتها العلاقة مع روسيا، التي ترى في الغاز أحد أهم أدوات نفوذها في أوروبا...
من هذا المنظور، يمكن فهم كيف أن قرارًا واحدًا – يبدو في ظاهره اقتصاديًا – قد تحوّل إلى عامل ضغط ضمن شبكة صراعات أوسع، إذ لم تكن سوريا ساحة معزولة، بل كانت عقدة جغرافية في خريطة الطاقة العالمية، وعندما تُغلق هذه العقدة في وجه مشاريع كبرى، فإنها لا تواجه فقط تبعات القرار الداخلي، بل تدخل في مدار صراعات تتجاوز حدودها...
هنا، تبرز المفارقة:
ما يُطرح اليوم بوصفه فرصة – أن تصبح سورية ممرًا آمنًا لسلاسل التوريد والطاقة – هو ذاته ما كان مرفوضًا بالأمس، لكن الفرق ليس في الجغرافيا، بل في الذهنية السياسية، الأمس كان محكومًا برؤية راديكالية تُغلّب التحالفات الصلبة على حساب المرونة، بينما اليوم يُعاد تقديم سورية كمساحة مفتوحة للمصالح المتقاطعة، دون حساسيات أيديولوجية صارمة...
ويبقى السؤال:
- هل يعني ذلك أن البراغماتية جاءت متأخرة؟
ربما:
- لكن الأهم هو أن هذه البراغماتية، لكي تكون ذات معنى، يجب ألا تكون مجرد خطاب موجّه للخارج، بل نهجًا داخليًا يعيد بناء الدولة على أسس مختلفة: اقتصاد منفتح، سياسة متوازنة، وإدراك أن الموقع الجغرافي ليس عبئًا بل فرصة...
ومع ذلك، لا يمكن القفز فوق الحقيقة الأشد قسوة:
أن تكلفة هذا التحول كانت باهظة إلى حد يفوق الوصف، مدن مدمّرة، مجتمع ممزق، وأجيال دفعت ثمن خيارات لم تكن طرفًا في صنعها، لذلك، فإن أي حديث عن المستقبل لا يكتسب مصداقيته من الطموح وحده، بل من القدرة على الاعتراف الضمني بأن ما حدث لم يكن حتميًا بالكامل، وأن بعض مساراته كان يمكن تفاديها لو وُجدت هذه البراغماتية في وقت أبكر...
لذا:
فإن ما قاله الرئيس الشرع ليس مجرد تصريح اقتصادي، بل هو إعلان عن نهاية مرحلة وبداية أخرى، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في رسم هذه البداية، بل في ضمان ألا تُدار بنفس الأدوات التي قادت إلى النهاية السابقة. فالتاريخ لا يعاقب على الأخطاء بقدر ما يعاقب على تكرارها...
وفي النهاية:
قد لا تكون المشكلة يومًا في غياب الفرص، بل في توقيت إدراكها، وسورية اليوم، وهي تقف على أنقاض ما مضى، تملك فرصة نادرة:
أن تعيد تعريف نفسها، لا كساحة صراع، بل كجسر مصالح. لكن هذا الجسر، إن لم يُبنَ على وعي جديد، قد يتحول مرة أخرى إلى خط صدع.