
بين إسقاط النظام وتدوير الخراب:
حين سقط النظام الذي جثم على صدر السوريين لعقود، ظن كثيرون أن صفحة سوداء قد طُويت، وأن البلاد تقف أخيرًا على عتبة الخلاص. لكن السنوات علمتنا أن إسقاط رأس السلطة لا يعني بالضرورة إسقاط بنيتها، وأن تغيير الواجهة لا يعني تغيير الجوهر، وأن الخراب حين يتجذر في المؤسسات والعقول لا يسقط ببيان سياسي ولا بصورة تُزال من على الجدار.
المشكلة لم تكن يومًا في شخصٍ واحد، بل في منظومة كاملة صنعت القمع، وأدارت الخوف، ووزعت الولاءات، وحولت الوطن إلى مزرعة خاصة. لذلك بدا الحديث عن “إسقاط النظام” بالنسبة لكثيرين أقرب إلى صفقة سياسية منه إلى تحول تاريخي حقيقي، خاصة حين بقيت الأدوات نفسها، والعقول نفسها، ومراكز النفوذ نفسها، وإن تغيرت الأسماء والشعارات.
ثم جاء الحديث عن رفع العقوبات، وكأنه الإنجاز الأكبر الذي يجب أن يُصفق له الجميع. لكن أي معنى لرفع العقوبات إذا بقيت بنية الفساد ذاتها؟ وكيف يمكن للاقتصاد أن يتعافى بينما من نهب البلاد بالأمس يعيد تقديم نفسه اليوم بثياب جديدة؟ رفع العقوبات دون عدالة ومحاسبة ليس انفراجًا، بل إعادة تدوير للأزمة، ومسرحية جديدة يُطلب من السوريين أن يصدقوا نهايتها السعيدة.
أما الحديث عن عودة ثلاثة ملايين سوري، فهو في كثير من الأحيان مجرد رقم للاستهلاك السياسي. العودة ليست عبور حدود، بل استعادة وطن. من فقد بيته، وأمانه، وكرامته، لا يعود إلى مجرد جغرافيا، بل يحتاج إلى دولة قانون، وضمانات حقيقية، وعدالة ترد له شيئًا من حقه. من دون ذلك، تصبح “العودة” مجرد شعار فارغ، يزين المؤتمرات ولا يغير حياة الناس.
حتى المقالات التي بدأت تظهر في الإعلام الحكومي، والتي تحمل نبرة نقدية تجاه السلطة، لا يمكن قراءتها بوصفها انفتاحًا سياسيًا حقيقيًا. إنها في كثير من الأحيان مجرد صمامات تنفيس، تسمح بجرعة محسوبة من الاعتراض، لا لتصحيح المسار، بل لحماية النظام الجديد من الانفجار. النقد المسموح به هو ذاك الذي لا يقترب من أصل المشكلة، ولا يهدد مراكز القرار الفعلية.
والأمر ذاته ينطبق على حملات القبض الانتقائية لبعض الأسماء المتهمة بقتل السوريين. حين يُقدَّم بعض الجلادين كقرابين صغيرة لتهدئة الغضب الشعبي، بينما تبقى الشبكة الكبرى محمية ومحصنة، فإن الأمر لا يتجاوز كونه إبرة بنج سياسية. العدالة لا تُختزل في توقيف أفراد، بل تبدأ بمحاكمة المنظومة التي أمرت وغطّت واستفادت.
أما محاكمة رموز القتل، إذا تمت بشكل شكلي أو انتقائي، فهي ليست عدالة بل تخدير جماعي. السوريون لا يريدون مشهدًا استعراضيًا أمام الكاميرات، بل يريدون حقيقة كاملة، ومسارًا قضائيًا نزيهًا، واعترافًا صريحًا بما جرى، ومحاسبة لا تستثني أحدًا لأن اسمه ما زال مفيدًا في ترتيبات المرحلة الجديدة.
الخطر الأكبر اليوم هو أن يتحول الألم السوري إلى مادة تفاوض، وأن تُباع دماء الضحايا في سوق المصالح الإقليمية والدولية، وأن يُطلب من الناس أن ينسوا، فقط لأن العالم تعب من سماع قصتهم. لكن الشعوب لا تُشفى بالنسيان، ولا تُبنى الأوطان فوق المقابر المفتوحة.
سوريا لا تحتاج إلى مسرحيات سياسية جديدة، بل إلى قطيعة حقيقية مع زمن القتل والإفلات من العقاب. تحتاج إلى عدالة لا إلى تسويات، وإلى دولة لا إلى إعادة تدوير السلطة، وإلى وطن يشعر فيه السوري أن كرامته ليست بندًا قابلًا للتفاوض.
وحتى يحدث ذلك، سيبقى كثيرون يرون أن ما جرى ليس سقوطًا للنظام، بل مجرد تغيير في طريقة إدارة الخراب.