
كلما ارتفع منسوب التوتر في الشرق الأوسط، تعود الوساطات السياسية إلى الواجهة بوصفها المسار الأقل كلفة والأكثر قبولاً أمام الرأي العام. غير أن التجربة التاريخية تجعل من الصعب التعامل مع كل تحرك دبلوماسي باعتباره عملاً محايداً خالصاً، خصوصاً حين تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع خرائط النفوذ الإقليمي والحسابات العسكرية.
في هذا السياق، يبرز الحديث عن الدور الباكستاني في التواصل بين طهران وواشنطن بوصفه تطوراً يستحق القراءة المتأنية، لا من زاوية الرفض المسبق، بل من زاوية السؤال عن حدود الوساطة نفسها: هل هي محاولة حقيقية لخفض التصعيد، أم مجرد إدارة مؤقتة للأزمة إلى أن تنضج ظروف مواجهة جديدة؟
الوسيط في السياسة الدولية لا يتحرك داخل فراغ أخلاقي أو سياسي. لكل دولة مصالحها، وارتباطاتها، وأولويات أمنها القومي. وباكستان ليست استثناءً من هذه القاعدة. فهي دولة تربطها علاقات متشابكة مع الولايات المتحدة على المستويات الأمنية والاقتصادية، وفي الوقت ذاته تدرك حساسية علاقتها مع إيران بحكم الجوار والتداخل الجيوسياسي. هذا الموقع يجعلها قادرة على فتح قنوات الحوار، لكنه لا يمنحها تلقائياً القدرة على فرض توازن مستقل بين طرفين غير متكافئين في ميزان القوة.
من هنا تنبع الشكوك. فحين تتحرك الوساطات في لحظات إعادة تشكيل الإقليم، يصبح السؤال مشروعاً: هل المقصود الوصول إلى تسوية، أم شراء الوقت؟ وهل تُستخدم لغة التهدئة لإعادة ترتيب الأوراق، أم لإنتاج حلول مستدامة؟
التاريخ الحديث يقدم نماذج عديدة جعلت كثيرين ينظرون بحذر إلى المبادرات التي تُطرح تحت عنوان “السلام”. في أكثر من ساحة، لم تكن المفاوضات نهاية للصراع بقدر ما كانت مرحلة انتقالية لإعادة التموضع السياسي والعسكري. لذلك فإن الريبة لا تأتي من فكرة الحوار نفسها، بل من البيئة التي يُدار فيها الحوار ومن موازين القوى التي تحكم نتائجه.
القلق الذي يعبّر عنه بعض المراقبين يتمحور حول احتمال أن تتحول الوساطة إلى مساحة تمنح الأطراف الأقوى وقتاً إضافياً لترتيب أولوياتها، وتعزيز تحالفاتها، وتهيئة المناخ الدولي لأي خطوة لاحقة إذا تعثرت المفاوضات. وفي مثل هذا السيناريو، يصبح فشل المسار الدبلوماسي جزءاً من سردية تبرر التصعيد لا سبباً لمنعه.
لكن في المقابل، فإن اختزال كل وساطة إلى مؤامرة جاهزة قد يقود أيضاً إلى خطأ استراتيجي آخر: إغلاق أبواب السياسة بالكامل. الدول لا تُدار بمنطق الثقة المطلقة ولا بمنطق الشك المطلق، بل بحسابات المصالح والقدرة على حماية الأوراق التفاوضية دون التفريط بها.
إيران، كغيرها من الدول التي تواجه ضغوطاً دولية، لا تحتاج إلى رفض الحوار من حيث المبدأ، بل إلى إدارة دقيقة لأي تفاوض، بحيث لا يتحول الانفتاح السياسي إلى تنازل مجاني، ولا يصبح الانغلاق سبباً للعزلة أو منح الخصوم الذريعة التي يبحثون عنها.
الاختبار الحقيقي لأي وساطة لا يكون في التصريحات ولا في الصور الرسمية، بل في النتائج: هل تقلّص احتمالات الحرب؟ هل تحفظ التوازن والحقوق؟ هل تمنع فرض الوقائع بالقوة؟
في الشرق الأوسط، كثيراً ما تختلط لغة السلام بمنطق القوة. لذلك تبقى اليقظة السياسية، وقراءة المصالح كما هي لا كما تُعرض، شرطاً أساسياً لفهم ما يجري خلف الأبواب المغلقة. فبعض التسويات تُكتب بالحبر، وبعضها يُرسم على خرائط النفوذ قبل أن يُعلن عنها.