
بين لحظة الصعود ومسؤولية الدولة...
تحذير بدافع الحرص :
في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، تختلط المشاعر بالحسابات، ويرتفع منسوب الأمل كما يرتفع منسوب القلق، ومع صعود النظام السوري الجديد برئاسة السيد أحمد الشرع، تدخل سورية مرحلة حساسة تتطلب أعلى درجات الحكمة والانضباط والمسؤولية الوطنية، فبقدر ما تفتح التحولات السياسية أبواباً للفرص، فإنها تفتح كذلك أبواباً لمخاطر قد تنشأ من داخل البيئة المؤيدة قبل أن تأتي من الخصوم...
من هذا المنطلق، يبرز قلق مشروع من ظاهرة يمكن تسميتها – تجاوزاً – بجماعة ( أحمدنا )، أي أولئك الذين يختزلون الدولة في شخص، والوطن في تيار، والنصر في إقصاء الآخرين...
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي سلطة ناشئة ليس المعارضة الطبيعية، بل الحماسة غير المنضبطة من بعض المحسوبين عليها، حين تتحول إلى حالة استعلاء أو تخوين أو احتكار للوطنية...
ليست المشكلة في التأييد، فالدعم السياسي حق مشروع، بل في تحوله إلى تعصب أعمى يقسم المجتمع إلى فسطاطين :
( معنا ) و ( ضدنا ) هذه الثنائية القاتلة، إن تُركت دون ضبط، تُنتج بيئة طاردة للكفاءات، ومُحبِطة للأصوات الناصحة، ومُخيفة للمواطن العادي الذي يريد أن يشعر أن الدولة له، لا عليه...
إن الدولة الحديثة لا تُبنى بالولاء الشخصي، بل بسيادة القانون، ولا تُصان بالهتاف، بل بالمؤسسات، ولا تستقر بإقصاء المختلف، بل باحتوائه ضمن إطار وطني جامع، وإذا كان ثمة نصر سياسي قد تحقق، فإن الحفاظ عليه لا يكون بإشاعة مناخ الشماتة أو تصفية الحسابات المعنوية، بل بترسيخ قيم العدالة والمساواة وحرية الرأي المسؤولة...
إن الخطاب الذي يضيق بالرأي الآخر، أو يسارع إلى تخوين كل نقد، إنما يضعف السلطة التي يظن أنه يحميها، فالنقد الواعي صمام أمان، والتعددية مصدر قوة، والاختلاف سنة بشرية لا يجوز التعامل معها كخيانة. إن اغتيال الشخص معنوياً بسبب موقف أو رأي، هو بداية انحدار أخلاقي لا يليق بدولة تطمح إلى استعادة ثقة شعبها...
من هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي من القيادة الجديدة أن ترسم بوضوح حدود المشهد اقصد :
- أن لا أحد فوق القانون، ولا أحد يُقصى بسبب رأيه...
- ولا مكان لخطاب الكراهية أو التحريض تحت أي ذريعة...
كما تقتضي من المؤيدين أن يدركوا أن الدفاع عن الدولة يكون بحماية صورتها الجامعة، لا بتشويه خصومها أو إرهابهم فكرياً...
فسورية ليست ملكاً لفئة، ولا حكراً على تيار، ولا تختصر في اسم، أيّاً يكن، سورية هي تنوعها، وتاريخها، وفسيفساؤها الاجتماعية والدينية والثقافية. وأي مشروع سياسي لا يتسع لهذا التنوع محكوم عليه بالتآكل من داخله...
إن اللحظة الراهنة فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس الثقة المتبادلة، والحرص الصادق يقتضي التحذير من كل خطاب أو سلوك يعمّق الانقسام أو يغذي روح الانتقام أو يبرر الإقصاء. فالدولة القوية لا تخاف من النقد، والواثق لا يرتبك من الاختلاف، والمنتصر حقاً هو من يملك شجاعة التسامح...
ختاماً :
إن النصيحة الصادقة – بعيداً عن أي خصومة أو تحيز – هي أن يُبنى العهد الجديد على قاعدة جامعة :
( سورية أولاً، والسوريون جميعاً بلا استثناء ) وبهذا فقط يتحول الصعود السياسي إلى نهضة وطن، لا إلى جولة جديدة في صراع طويل أنهك الجميع.