
بين نارين:
لماذا يكره السوريون إيران دون أن يقعوا في حبّ امريكا والكيان؟...
في الوعي الجمعي لغالبية السوريين، لا تمثّل إيران مجرد دولة تدخلت في شؤون بلدهم، بل قوة شاركت بعمق في مأساة وطن. الحديث هنا لا يدور في نطاق الخصومة السياسية أو الاختلاف المذهبي، بل في سياق تجربة دامية عاشها السوريون بكل تفاصيلها،(مدن دُمّرت، مجتمعات فُكّكت، سكان هُجّروا، وخرائط ديموغرافية تغيّرت تحت وقع السلاح والميليشيات العابرة للحدود) بالنسبة لكثيرين، ما جرى تجاوز حدود التدخل السياسي ليصل – في توصيفهم – إلى جرائم حرب وأفعال ترقى إلى مستوى التطهير العرقي والتهجير القسري...
غير أن هذا الرفض العميق للدور الإيراني لا يعني، كما يحاول البعض تصويره، انتقالًا تلقائيًا إلى الضفة المقابلة أو وقوعًا في غرام الولايات المتحدة أو إسرائيل. فالسوريون، في أغلبيتهم المتوازنة، لا يرون العالم بمنظار أبيض وأسود، ولا يستبدلون خصومة بأخرى، بل يدركون أن الصراعات الدولية تُدار وفق المصالح لا المبادئ...
هنا تبرز مفارقة لافتة. هناك فئة محدودة، يمكن وصفها بأنها مدفوعة بردود فعل غرائزية لا مكان للعقل فيها، تميل إلى أقصى اليمين المتشدد، متجاوزة حتى بعض التنظيمات الجهادية في اندفاعها الخطابي. هذه الفئة لا تنطلق من قراءة سياسية معمّقة، بل من ثأرية عاطفية تُبسط المشهد المعقّد في معادلات بدائية. لكنها – paradoxically – ليست هي التي تفهم تشابكات العلاقة التاريخية بين طهران والغرب، وهؤلاء من صنفتهم منذ أكثر من عام بـ (جماعة احمدنا)، هؤلاء لا اضعهم في حساباتي عندما احاول قراءة الرأي العام السوري كونهم مغيبون فهم خلف الرئيس اينما اتجه فهي وجهتهم، واي قال فهي كلمتهم ؟!..
في المقابل، يوجد السوريون الذين يقاربون المشهد بعقل بارد، لذا فهم من يعرفون أن قيام الجمهورية الإسلامية لم يكن حدثًا معزولًا عن السياقات الدولية، وأن توازنات الحرب الباردة والتحالفات غير المعلنة لعبت أدوارًا مفصلية في رسم خرائط النفوذ. وهم يدركون أيضًا أن إيران، سواء في عهد الشاه أو في عهد الملالي، تحركت ضمن منظومة مصالح إقليمية ودولية جعلتها، في مراحل عديدة، أقرب إلى "الدولة الوظيفية" منها إلى القوة الثورية المستقلة كما تزعم...
هذا الفهم لا يبرّئ أحدًا، ولا يحوّل الصراع إلى نظرية مؤامرة شاملة، بل يضعه في إطاره الواقعي، فالمنطقة كانت ولا تزال ساحة تجاذب بين قوى كبرى، وكل طرف يستخدم شعارات كبرى ليغطي حساباته الباردة. ومن هذا المنظور، فإن رفض الإيراني في دمشق لا يعني القبول بالأمريكي في شرق الفرات، ولا التطبيع مع الإسرائيلي في الجنوب، فالوعي الشعبي السوري – رغم الجراح – ما زال يحتفظ بحساسيته تجاه كل أشكال الهيمنة الخارجية...
لذا فإن اختزال الموقف السوري في معادلة "من يكره إيران يحب أمريكا" هو تبسيط مخلّ، بل إهانة لوعي شعب دفع أثمانًا باهظة، فالسوري الذي فقد بيته لا يحتاج إلى دروس في الجغرافيا السياسية ليعرف من قاتل على أرضه، لكنه في الوقت نفسه لا ينسى تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي، ولا يتجاهل سجل التدخلات الغربية في المنطقة...
أخيراً:
إن الموقف الأكثر نضجًا هو ذاك الذي يرفض الاصطفاف الأعمى خلف أي قوة خارجية، ويضع مصلحة سورية أولًا وأخيرًا، وكراهية السياسات الإيرانية في سوريا مفهومة في ضوء التجربة الدموية، لكن تحويلها إلى بوابة لتمجيد قوى أخرى لا يقل خطرًا، لكن الطريق الأصعب – لكنه الأصح – هو بناء موقف وطني مستقل، يرفض أن تكون سوريا ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين...
كون الشعوب لا تُشفى بالانتقال من تبعية إلى أخرى، بل باستعادة قرارها الحر، وربما يكون الدرس الأعمق في المأساة السورية أن الاستقلال الحقيقي لا يُستورد من الخارج، بل يُصنع بإرادة الداخل وعقله.