
بين قرار الخمور وصخب الشارع… هل نحن أمام إدارة أزمة أم صناعة انقسام؟
في لحظة تتكاثف فيها التحديات الاقتصادية والمعيشية على السوريين، يبرز قرار تقييد بيع وتقديم الخمور في دمشق كأنه سؤال مفتوح أكثر منه إجراءً إداريًا عابرًا. فالمراقب المحايد، حين يتأمل هذا القرار، لا يستطيع إلا أن يتساءل: هل كان هذا التوقيت بريئًا حقًا؟ أم أنه يحمل في طياته حسابات تتجاوز ظاهر النص القانوني؟
من جهة أولى، تبدو أولويات الواقع السوري مقلوبة. فهناك ملفات أكثر إلحاحًا بكثير: الغلاء المتصاعد، الكهرباء التي تزداد ندرة، الخبز الذي بات همًّا يوميًا، والانترنت الذي يعكس ترديًا في الخدمات، فضلًا عن الفقر المتسع، والمخيمات التي تنتظر حلولًا منذ سنوات. في خضم هذا كله، يأتي قرار يتعلق بالكحول، وكأنه وُضع في واجهة المشهد ليشغل الرأي العام عن قضاياه الجوهرية.
ومن جهة ثانية، لا يمكن تجاهل البعد الرمزي للقرار. ففي وقت تتجه فيه دول عديدة—حتى في المنطقة—إلى مزيد من المرونة في هذا الملف، يأتي هذا التقييد ليعطي انطباعًا معاكسًا تمامًا، وكأن البلاد تنزلق نحو صورة محافظة متشددة، لا تعكس بالضرورة تنوع المجتمع السوري ولا تاريخه الاجتماعي المتعدد.
الأهم من ذلك أن القرار لم يُطرح في سياق مطالب شعبية ملحّة. فسورية، تاريخيًا، لم تكن بلدًا يفرض قيودًا صارمة على هذا النوع من الممارسات، ولم يكن هذا الملف يومًا مصدر توتر اجتماعي واسع. بل إن السوريين، بمختلف انتماءاتهم الدينية والثقافية، تعايشوا لعقود طويلة مع هذا الواقع دون أن يتحول إلى أزمة.
لكن ما حدث بعد القرار كان لافتًا. فقد انقسمت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل حاد، وبدأت موجة من التجاذب بين من يرى في القرار تعديًا على الحريات الشخصية، ومن يراه خطوة “تنظيمية” أو “قِيَمية”. هذا الانقسام لم يأتِ في فراغ، بل جاء على أرضية مجتمع أنهكته الحرب، وما زال هشًّا أمام أي شرارة يمكن أن تعيد إنتاج الاصطفاف الطائفي أو المذهبي.
الأخطر من ذلك أن الردود لم تتوقف عند حدود التعبير، بل تطورت إلى دعوات وتنظيمات اعتصامات، بعضها يعارض القرار، وبعضها الآخر يدعمه، في مشهد يعكس، في جوهره، قابلية الشارع السوري للاشتعال عند أي قضية رمزية. وهنا يكمن القلق الحقيقي: هل نحن أمام رأي عام حيّ يتفاعل، أم أمام ساحة قابلة للاشتعال تُستخدم فيها القضايا كأدوات تعبئة؟
وفي خلفية هذا كله، تبقى الأزمة الاقتصادية هي العنوان الأكبر. فبينما يتجادل السوريون حول الخمور، تتفاقم معاناتهم اليومية مع الأسعار، وتُثقل كواهلهم فواتير الخدمات، ويتسع الفارق بينهم وبين أي وعود بالتحسن. وهنا يظهر سؤال جوهري: هل يتم تحويل الانتباه إلى قضايا جانبية لصرف النظر عن جوهر الأزمة؟ أم أن ما يحدث مجرد سوء تقدير لتداعيات القرار؟
إن أخطر ما في المشهد ليس القرار بحد ذاته، بل ما قد يترتب عليه: تصعيد اجتماعي، مزيد من الاستقطاب، وفتح أبواب جدل لا حاجة لها في هذه المرحلة الحساسة. فالبلد لا يحتمل مزيدًا من الانقسامات، ولا مزيدًا من القضايا التي تستهلك طاقته دون أن تقدم حلولًا حقيقية.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نشهد تصعيدًا متسلسلًا مع اعتصامات جديدة وقرارات مشابهة في محافظات أخرى؟ أم أننا سنشهد تداركًا سريعًا، يضع حدًا لهذا المسار، ويعيد ترتيب الأولويات بما يخدم الاستقرار المجتمعي، لا تأجيج الخلاف؟
الإجابة ليست في القرار وحده، بل في القدرة على قراءة اللحظة… ووزن العواقب قبل أن تتحول أي خطوة إلى شرارة أكبر مما يُحتمل.