--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين رواية التعبئة وحقائق الميدان: قراءة نقدية في الخطاب الإيراني للحرب

Salah Kirata • ١٩‏/٣‏/٢٠٢٦

13680.jpg

بين رواية التعبئة وحقائق الميدان: قراءة نقدية في الخطاب الإيراني للحرب.

لا تكتب الصحافة الإيرانية عن الحرب بوصفها حدثًا عسكريًا فحسب، بل كحالة وجودية تُعاد فيها صياغة الداخل والخارج معًا. ومن يتأمل التغطية الصادرة اليوم يلحظ بوضوح انتقال الخطاب من توصيف الصراع إلى محاولة احتكاره سرديًا، عبر تقديم إيران كطرف يمتلك زمام المبادرة، في مقابل خصوم يُصوَّرون على أنهم في حالة ارتباك وتخبط. غير أن هذا البناء السردي، رغم تماسكه الظاهري، يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى مطابقته لواقع موازين القوى وتعقيدات الصراع.

أول ما يستوقف القارئ هو الادعاء بأن استهداف البنية التحتية الإيرانية يعكس “نفاد بنك الأهداف” لدى الولايات المتحدة وإسرائيل. هذه القراءة تبدو أقرب إلى التفسير الدعائي منها إلى التحليل الاستراتيجي. ففي الحروب الحديثة، لا يُعد الانتقال إلى ضرب البنى التحتية مؤشر ضعف، بل غالبًا ما يكون تصعيدًا محسوبًا يهدف إلى تقويض القدرة الشاملة للدولة، اقتصاديًا ونفسيًا، وليس فقط عسكريًا. وعليه، فإن تصوير هذا التحول كدليل عجز يتجاهل طبيعة الحروب المركبة التي تُدار على مستويات متعددة.

أما المقولة المركزية “الأمن للجميع أو لا لأحد”، فهي تعكس منطق الردع المتبادل، لكنها في التطبيق العملي تنطوي على مخاطرة كبرى. فربط أمن المنطقة بأكملها بمصير طرف واحد يحوّل الصراع من مواجهة محدودة إلى مشروع انفجار إقليمي مفتوح. هذا الطرح، بدل أن يعزز موقع إيران التفاوضي، قد يدفع الأطراف الأخرى إلى مزيد من التكتل ضدها، باعتبارها مصدر تهديد شامل لا يمكن احتواؤه إلا بتصعيد مضاد.

وفي سياق متصل، تحاول الصحف الإيرانية ترسيخ فكرة أن طهران تمتلك “اليد العليا” من خلال قدرتها على الرد بالمثل واستهداف منشآت حيوية في دول المنطقة. لكن هذه الحجة تتجاهل فارقًا مهمًا بين القدرة على الإيذاء والقدرة على الحسم. فامتلاك أدوات الرد لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارة حرب طويلة الأمد دون كلفة داخلية متزايدة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والعزلة الدولية.

كما أن الحديث عن “استراتيجيات مفاجئة” و”تفوق استخباراتي” يندرج ضمن محاولة رفع المعنويات الداخلية أكثر من كونه توصيفًا دقيقًا للواقع. فالمفاجأة، بطبيعتها، عنصر مؤقت؛ وما إن تُستخدم حتى يفقد تأثيرها تدريجيًا. أما التفوق الحقيقي فيُقاس بالقدرة على تحقيق أهداف سياسية واضحة، لا بمجرد توسيع رقعة الاستهداف.

وفي ما يتعلق بتأطير اغتيال الشخصيات القيادية، فإن تحويل الحدث إلى رمز تعبوي يعكس حاجة داخلية لتعويض الخسارة المعنوية. غير أن ذلك لا يلغي حقيقة أن استهداف القيادات العليا يشكل اختراقًا أمنيًا ذا دلالة، ويطرح أسئلة حول فعالية المنظومات الدفاعية والاستخباراتية، بدل الاكتفاء بتقديمه كدليل على “ضعف العدو”.

الأهم من ذلك كله أن الخطاب الإيراني يغفل عن قصد أو غير قصد طبيعة التوازنات الدولية. فالحرب، مهما بدت إقليمية في مظاهرها، تظل محكومة بسقوف تفرضها قوى كبرى لا تسمح بانزلاق شامل غير محسوب. وبالتالي، فإن الحديث عن استعداد كامل لحرب إقليمية مفتوحة قد يكون جزءًا من لعبة الردع، لكنه لا يعكس بالضرورة خيارًا استراتيجيًا قابلاً للتحقق دون أثمان وجودية.

في الخلاصة، تقدم الصحافة الإيرانية رواية متماسكة من حيث البناء الداخلي، لكنها انتقائية في قراءتها للواقع. فهي تُضخم عناصر القوة وتُقلل من شأن نقاط الضعف، وتتعامل مع التصعيد بوصفه إنجازًا بحد ذاته، لا كمسار محفوف بالمخاطر. وبينما قد تنجح هذه الرواية في تعبئة الداخل، فإنها تبقى قاصرة عن تفسير التعقيد الحقيقي لحرب تتجاوز حدود الشعارات، وتُحسم في نهاية المطاف بميزان دقيق بين القوة والقدرة على تحمل كلفتها.