بين شرعية السلاح وشرعية الدستور: قراءة نقدية في رمزية السلطة والطاعة في سورية الجديدة
بقلم :
د. صلاح قيراطة
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
مقدمة :
في الدول الخارجة من الحروب الأهلية، لا تكون الرموز تفصيلًا شكليًا، بل رسائل سياسية كاملة الأركان. الزي، المكان، اللغة، والاستدعاءات التاريخية والدينية، جميعها أدوات تصوغ علاقة الحاكم بالمحكوم، وتؤسس – عن قصد أو غير قصد – لنمط الشرعية الذي ستقوم عليه الدولة.
من هذا المنطلق، لا يمكن المرور مرور الكرام على الظهور الأخير لرئيس الجمهورية العربية السورية في الجامع الأموي، مرتديًا الزي العسكري، متقدمًا لإمامة صلاة الفجر، ومقرنًا المشهد بعبارة منسوبة للخليفة الراشد أبي بكر الصديق:
«أطيعوني ما أطعت الله فيكم».
هذا الجمع بين العسكري والديني، في لحظة تأسيسية لدولة ما بعد الحرب، يستدعي نقاشًا هادئًا لكنه صارم حول دلالاته، وحدوده، ومخاطره المحتملة على مسار بناء الدولة الحديثة.
أولًا: رمزية المشهد… ما الذي قيل دون أن يُقال؟
إن الجمع بين الزي العسكري والمنبر الديني ليس محايدًا. تاريخ منطقتنا حافل بهذا النمط من الرمزية، حيث جرى دمج القوة المسلحة بالشرعية الدينية لإنتاج سلطة فوق المساءلة. وفي السياق السوري الراهن، يمكن قراءة هذه الرمزية على أكثر من مستوى:
رسالة طمأنة للأنصار بأن شرعية السلاح ما تزال قائمة.
رسالة ردع للخصوم بأن القوة المسلحة لا تزال حاضرة فوق المؤسسات.
تكريس صورة القائد الثابت الذي لا يتغير، بما يوحي بأن مصدر الشرعية هو القوة قبل القانون.
هذه الدلالات ليست افتراضات نظرية، بل أنماط متكررة عرفتها تجارب سلطوية عديدة، من الدولة العثمانية إلى أنظمة معاصرة في المنطقة، حيث تم استخدام الدين لتثبيت سلطة السلاح، لا لتقييدها.
ثانيًا: العبارة المبتورة… حين تتحول الطاعة إلى مطلقة
الاستشهاد بقول أبي بكر الصديق دون استكماله ليس تفصيلًا لغويًا، بل خلل مفاهيمي خطير. فالعبارة الكاملة تقول:
«أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم».
الشطر الثاني هو جوهر الفكرة، لأنه يؤسس لمبدأ قابلية الحاكم للمساءلة والعزل. أما الاكتفاء بالشطر الأول، فيحوّل الطاعة إلى قيمة مطلقة، غير محددة، وغير قابلة للقياس أو المحاسبة.
وهنا لا بد من التذكير بأن أبا بكر كان خليفة في دولة تأسست على رابطة إيمانية، تستمد شرعيتها من الوحي، وكان المجتمع متجانسًا عقائديًا وأخلاقيًا.
أما سورية اليوم، فهي دولة حديثة، متعددة الأديان والمذاهب، خرجت من حرب أهلية مدمّرة، وتقوم – وفق إعلانها الدستوري – على شرعية قانونية لا دينية.
ثالثًا: الدولة الحديثة لا تُدار بالنيات
طاعة الله شأن شخصي بين الإنسان وربه، ولا يمكن أن تتحول إلى معيار سياسي لتقييم الحاكم أو إلزام المواطنين. فالمعيار الديني:
غير قابل للقياس الموضوعي.
يختلف تفسيره بين المذاهب والفقهاء.
غير خاضع لآليات مساءلة واضحة.
بينما تقوم الدولة الحديثة على العكس تمامًا:
سلطة مقيدة بالقانون.
معايير مكتوبة ومعلنة.
محاسبة مؤسسية قابلة للتطبيق.
القانون هو العقد الاجتماعي الوحيد القادر على جمع السوريين جميعًا:
المسلم وغير المسلم، السني والعلوي، المسيحي والدرزي، المتدين والعلماني.
أما الطاعة الدينية، فليست عقدًا جامعًا، بل مرجعيات متعددة قد تتحول إلى مصدر انقسام لا وحدة.
رابعًا: السؤال المؤجل… من يحاسب الرئيس؟
الإشكالية الأخطر لا تكمن في الخطاب، بل فيما يفتحه من فراغات مؤسسية.
ففي حال خالف رئيس الجمهورية الإعلان الدستوري أو تجاوز صلاحياته، إلى من يُلجأ؟
هل المحكمة الدستورية العليا قائمة وفاعلة ومستقلة؟
هل مجلس الشعب قادر على المساءلة الفعلية؟
هل توجد هيئة وطنية مستقلة قادرة على المحاسبة؟
في غياب إجابات واضحة، تصبح الطاعة المفتوحة وصفة جاهزة لإعادة إنتاج الاستبداد، مهما كانت النيات حسنة، ومهما كانت الشعارات أخلاقية.
خاتمة: الشرعية التي تحمي سورية
السوريون، بعد عقود من حكم الحزب الواحد، لا يريدون استبدال شرعية “الحزب القائد” بشرعية “الحاكم المتدين”. ما يريده السوريون هو:
دولة قانون لا دولة نوايا.
دستور يُقيِّد السلطة لا خطب تُقدّسها.
رئيس يُحاسَب لا يُطاع على إطلاقه.
الدولة ليست ملك الحاكم، ولا تُدار بالرموز، بل بالمؤسسات.
وطاعة الله علاقة فردية لا خلاف عليها، أما طاعة الدولة فلا تكون إلا للقانون.
إن الضمانة الحقيقية لوحدة سورية واستقرارها ليست في السلاح، ولا في الخطاب الديني، بل في دولة مدنية عادلة، يحكمها الدستور، وتُحاسَب فيها السلطة، ويشعر فيها كل مواطن أنه متساوٍ أمام القانون.
وهذا وحده ما يستحق أن يُسمّى “نصرًا”.