--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين سقوط الاستبداد والخيبة بالبديل… سورية في لحظة انكشاف الوعي

Salah Kirata • ١٧‏/٣‏/٢٠٢٦

12562.png

 بين سقوط الاستبداد والخيبة بالبديل… سورية في لحظة انكشاف الوعي:

لم يكن سقوط نظام العائلة التي اغتصبت الدولة حدثاً عادياً في الوجدان السوري، بل كان أشبه بانفجار مكبوت عبر عقود من القهر والإذلال. وأنا على يقين أن غالبية أبناء الشعب السوري كانوا فرحين بسقوط هذا النظام، فرحاً يشبه استعادة النفس بعد غرق طويل. غير أن هذا الفرح لم يكن شاملاً، إذ استُثنيت منه شراذم ممن أسميتهم يوماً بـ"طائفة الأسد". وهذه التسمية لا تحمل أي بعد ديني أو طائفي تقليدي، بل توصيف سياسي-اجتماعي لفئة عابرة لكل مكونات المجتمع، ارتبطت مصالحها بالعائلة الحاكمة تحديداً، لا بالدولة ولا بالحزب. هؤلاء لم يكونوا سوى خليط من شذاذ الآفاق، أرباب السوابق، تجار الحروب، سماسرة الدم، لصوص الفرص، وربما بين صفوفهم من باع البلاد لمن يدفع أكثر، عملاء وجواسيس ومحدثو نعم، صنعهم النظام كما تصنع البيئات الفاسدة طفيلياتها.

لكن، وبالتوازي مع هذا الفرح العارم، كانت هناك حقيقة أخرى لا تقل أهمية: ما لا يقل عن 50% من السوريين كانوا مع سقوط النظام، نعم، لكنهم لم يفرحوا بالبديل. لم يخطر ببالهم، ولو للحظة، أن الفراغ الذي سيخلفه سقوط عائلة الأسد قد تملؤه قوى مثل "هيئة تحرير الشام" أو جماعات تدور في فلكها، تحمل رؤى جهادية وجذوراً إشكالية في علاقتها مع مفهوم الدولة والمجتمع. لقد كان السوريون يحلمون بالخلاص، لا باستبدال استبداد بآخر، ولا بنقل البلاد من قبضة عائلة إلى قبضة أيديولوجيا مغلقة.

واليوم، بعد أن صار اللعب على المكشوف، وسقطت ورقة التوت، واستيقظ السوريون من غفلتهم – تلك الغفلة التي غذّاها فرح مشروع بانتهاء حقبة سوداء – يمكن قراءة المشهد بوضوح أكبر، وإن كان أكثر إيلاماً.

نحن أمام مجتمع يتوزع على قناعات ومواقف متباينة، لكنها تكشف في جوهرها عن أزمة ثقة عميقة بكل ما هو مطروح. فهناك ما لا يقل عن 20% من السوريين، غالبيتهم ممن رسخ النظام السابق في وعيهم فكرة "الأقليات" تحت ذريعة حمايتها، قد ناصبوا العهد الجديد العداء. بعضهم أعلن العصيان، بعضهم تراجع، وبعضهم لا يزال في موقع المواجهة الصامتة أو المعلنة. هؤلاء لا ينطلقون فقط من خوف، بل من تجربة طويلة من التوظيف السياسي للهويات، جعلتهم يرون في أي تغيير تهديداً وجودياً.

أما السنّة السوريون، وهم الكتلة الأكبر، فهم منقسمون بشكل يكاد يكون متساوياً. نحو 40% منهم لم يكونوا مع النظام الحالي إلا لأنه، كما صُوّر لهم، أسقط عائلة الأسد. لكنهم، في العمق، كانوا ولا يزالون ضد فكرة الدولة الدينية، حتى لو وُعدوا بأنها ستفتح لهم أبواب الجنة. من داخل هذه الشريحة، هناك ما يقارب 20% يقفون عملياً إلى جانب من يسمون بالأقليات في موقفهم من النظام الحالي، لكن دون الانخراط في العنف أو حمل السلاح. هؤلاء يرفضون المشروع القائم، لكنهم في الوقت ذاته لا يرون أنفسهم في معسكر المواجهة المسلحة، وإن انفلتت الأمور، فلن يكونوا معه ولن يقاتلوا ضده.

اللافت أن كلا الطرفين – رغم اختلاف مواقعهم – يلتقيان عند نقطة جوهرية: الإيمان بدولة مدنية ديمقراطية، تقوم على عقد اجتماعي واضح، وقوانين وضعية يتساوى أمامها جميع السوريين دون استثناء. وهذا الالتقاء ليس تفصيلاً، بل هو ربما الخيط الوحيد الذي يمكن البناء عليه لإنقاذ ما تبقى من فكرة الدولة.

أما الـ40% المتبقية، فهي أيضاً منقسمة. 20% منها يمكن تسميتهم، بلغة ساخرة لكنها معبرة، بـ"جماعة أحمدنا"، وهم أولئك الذين يذهبون في التعصب إلى أقصى حدوده، حتى ليبدون على يمين أكثر التيارات تطرفاً في الكراهية والإقصاء لكل من يخالفهم الرأي أو الرؤية. هؤلاء لا يؤمنون بالحوار، ولا يرون في الاختلاف إلا تهديداً يجب سحقه.

والـ20% الأخيرة تقف مع النظام الحالي، لكن ليس من منطلق قناعة به، بل من منطلق رفض أي بديل لا يكون مسلماً، سنياً، عربياً. إنها حالة اصطفاف هوياتي صريح، تعكس عمق الانقسام الذي لم يعد سياسياً فقط، بل وجودياً في نظر كثيرين.

ما الذي تعنيه كل هذه الأرقام؟ إنها تعني ببساطة أن سوريا اليوم ليست أمام صراع بين نظام ومعارضة، بل أمام انكشاف شامل للبنية النفسية والسياسية للمجتمع. لم يعد بالإمكان الاختباء خلف شعارات كبرى، ولا خلف أوهام التحرير السريع أو الخلاص الجاهز. الجميع، بلا استثناء، بات مضطراً لمواجهة الحقيقة: لا أحد يملك تفويضاً مطلقاً، ولا أحد يمثل "الشعب" كما يدعي.

لقد سقط الاستبداد العاري، لكن البديل لم يرتقِ إلى مستوى الحلم. وبين هذا وذاك، يقف السوريون أمام لحظة نادرة، وقاسية في آن واحد: لحظة إعادة تعريف الذات، والدولة، والعلاقة بينهما. لحظة تتطلب شجاعة فكرية قبل أي شيء آخر، شجاعة الاعتراف بأن الخلاص لا يأتي من الغلبة، بل من التوافق، ولا من الإقصاء، بل من الاعتراف المتبادل.

سوريا اليوم لا تحتاج منتصراً جديداً، بل تحتاج عقداً جديداً. عقد لا يُفرض بالقوة، ولا يُكتب بالدم، بل يُبنى على إدراك عميق بأن هذا البلد، بكل تناقضاته، لا يمكن أن يحكمه طرف واحد، ولا فكرة واحدة، ولا هوية واحدة.