
بين “سراب” الجغرافيا وتحولات العالم: قراءة نقدية في سردية الانهيار الكبير.
تتكرر في بعض التحليلات رؤية متشائمة ترى أن الخليج بني على “سراب”، وأنه يقف اليوم على عتبة الانهيار تحت وطأة حرب طويلة ستعيد تشكيل العالم، وربما تفتح الباب لتحولات كبرى تمتد لسنوات. غير أن مثل هذا الطرح، على ما فيه من عناصر لافتة، يحتاج إلى تفكيك هادئ يميّز بين الواقع البنيوي والاستنتاجات المتسرعة.
أولاً:
ان القول إن الخليج “خاسر بالضرورة” يفترض نتيجة حتمية لأي صراع، بينما التاريخ الحديث يُظهر أن موازين الخسارة والربح في الأزمات الجيوسياسية ليست ثابتة، صحيح أن دول الخليج تعتمد على معادلة دقيقة تجمع بين الجغرافيا القاسية والثروة الهيدروكربونية، لكن وصف هذه المعادلة بأنها “سراب” يتجاهل أنها تحولت عملياً إلى نموذج اقتصادي قائم، لا مجرد وهم مؤقت. فهذه الدول، وعلى رأسها دول مجلس التعاون، نجحت في بناء بنى تحتية، ومراكز مالية، واستثمارات سيادية جعلتها لاعباً مؤثراً في الاقتصاد العالمي، لا مجرد تابع له.
ثانياً:
فكرة أن المنطقة ستشهد بالضرورة عودة إلى الزراعة وتوقف التصنيع تفترض انهياراً شاملاً للنظام الاقتصادي العالمي، وهو سيناريو أقرب إلى الفرضية النظرية منه إلى الواقع القائم. فحتى في أشد الأزمات، تميل الأنظمة الاقتصادية إلى إعادة التكيف، لا الانهيار الكامل. صحيح أن الحروب قد تعيد ترتيب الأولويات، لكن الحديث عن “تحول جذري شامل” يتجاهل مرونة الاقتصاد العالمي وقدرته على امتصاص الصدمات.
ثالثاً:
القول بسقوط المظلة العسكرية الأميركية عن آسيا وأوروبا هو طرح يتجاهل شبكة التحالفات المعقدة التي لا تزال قائمة، رغم التحولات. فالعالم يشهد بالفعل إعادة تموضع استراتيجي، لكن ذلك لا يعني انهيار النظام الأمني القائم، بل إعادة تشكيله، وهو ما قد يقود إلى تعددية قطبية، لا إلى فراغ أمني كامل.
أما فيما يتعلق بالحديث عن عودة “المركنتالية” بالمعنى الكلاسيكي، فهو قراءة جزئية. نعم، نشهد تصاعداً في أهمية الموارد الاستراتيجية، مثل المعادن النادرة، لكن هذا لا يعني العودة إلى نموذج القرون 16 و17، بل إلى نسخة حديثة من التنافس الاقتصادي تتداخل فيها التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والأمن القومي، في إطار أكثر تعقيداً من مجرد تصدير واستيراد.
وفي ما يخص الإدعاء بأن الخليج “انكشف” وأن نموذجه المالي، كما في حالة مدن مثل دبي، لن يستمر، فإن هذا التقييم يتجاهل عنصرين أساسيين: الأول هو القدرة على التكيف، والثاني هو الاستثمار في التنويع الاقتصادي الذي لم يعد خياراً بل أصبح واقعاً فعلياً في سياسات العديد من دول المنطقة. القول بانهيار هذا النموذج بشكل نهائي هو قفز فوق حقائق اقتصادية قائمة.
لكن، في المقابل، لا يمكن إنكار أن الصراع واسع النطاق والذي بدأ باستهداف قدرات الخليج وبنتها التحتية ومصادر طاقتها التي تمد العالم بما يقارب من ٥٠٪ من احتياجاتها في مجالي النفط والغاز، كل هذا سيترك آثاراً عميقة على المنطقة والعالم، وقد يدفع نحو:
- إعادة تقييم سلاسل التوريد العالمية
- تعزيز الأمن الغذائي في دول عدة
- وزيادة سباق التسلح عالمياً
وهذه تحولات حقيقية، لكنها لا تعني بالضرورة انهيار النظام العالمي، بل قد تعني إعادة تشكيله ضمن توازنات جديدة.
في النهاية، تبقى المشكلة في مثل هذه السرديات أنها تمزج بين ملاحظات صحيحة واستنتاجات مطلقة. والحقيقة أن العالم لا يسير وفق سيناريو واحد مغلق، بل ضمن احتمالات متعددة، حيث يختلط الاقتصاد بالسياسة، وتتصارع القوة مع القدرة على التكيف.
ولعل الأهم من كل ذلك: أن التاريخ لا يُكتب بلحظة انهيار مفترضة، بل بتراكم طويل من التوازنات، والتعديلات، والفرص التي لا تختفي، حتى في أشد الأزمات.