
هندسة التحول…
بين تبدّل السلطة وارتباك الهوية الوطنية :
في كلمته المتلفزة الأخيرة، استخدم الشيخ غزال غزال لغة هادئة، محسوبة، ومشحونة بمفردات الحقوق والكرامة والمساواة...
فقد بدا الخطاب في ظاهره دفاعًا مشروعًا عن ( حماية المكوّن ) وصون مكانته في مرحلة انتقالية حساسة، غير أن السياسة لا تُقرأ من ظاهر الألفاظ وحده، بل من السياق الذي تُقال فيه، ومن اللحظة التاريخية التي تحتضنها، ومن المآلات التي قد تترتب عليها...
سورية تعيش منذ أكثر من عام على إيقاع تحوّل جذري في بنيتها السلطوية، فسقوط نظام استمر عقودًا لم يكن حدثًا إداريًا عابرًا، بل نقطة انعطاف كبرى أعادت تشكيل موازين القوى داخليًا وإقليميًا... والسلطة التي صعدت إلى المشهد تحمل خلفية أيديولوجية واضحة، تتكئ على مرجعية إسلامية صريحة، وبعض مكوّناتها ارتبطت سابقًا بسياقات جهادية، بل وُصفت في مراحل معينة بتوصيفات قانونية دولية معروفة، وهذا المعطى، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا حوله، حاضر في وعي الداخل والخارج معًا...
لذا :
فمن الطبيعي أن يثير انتقال السلطة بهذا الشكل قلقًا لدى شرائح اجتماعية متعددة، فالخوف في لحظات التحوّل ليس تهمة، بل انعكاس لغريزة البحث عن الأمان، لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول القلق المشروع إلى خطاب يعيد تعريف المسألة الوطنية من زاوية المكوّن، لا من زاوية الدولة...
هنا :
تتقاطع الظواهر، فما يُقال في الساحل، وما يُقال في السويداء، لا يمكن فصله عن طبيعة اللحظة السياسية الجديدة، وكذا فإن بروز شخصيات دينية أو اجتماعية تتحدث باسم جماعاتها، وتطرح نفسها بوصفها ضامنًا أو ممثلًا حصريًا لها، ليس حدثًا معزولًا، بل إنه جزء من تفاعل أوسع مع مشهد سلطوي جديد يعلن هويته بوضوح، ويتباهى بمرجعيته، الأمر الذي يدفع بعض الشركاء في الوطن إلى التموضع دفاعيًا ضمن هوياتهم الفرعية...
قد لا يكون ذلك كله عفويًا بالكامل، كون التحولات الكبرى التي تتم ضمن توازنات إقليمية ودولية معقدة نادرًا ما تكون بلا حسابات لاحقة، فصعود سلطة ذات طابع أيديولوجي واضح قد يُنتج – بحكم التوازن – صعود خطابات مقابلة تقوم على هويات مغلقة... وهكذا يتشكل مشهد قائم على تخويف متبادل، سلطة تستمد شرعيتها من هوية عقائدية، وخطابات مضادة تستمد مشروعيتها من مظلومية جماعية...
لذا :
فإن المطالبة بالمساواة حق لا يُجادَل فيه. والحذر من الإقصاء مفهوم في أي انتقال سياسي. لكن تحويل هذه المطالب إلى إطار دائم للفرز الطائفي أو الإثني يحمل خطرًا مزدوجًا :
- فهو يسحب الأفراد من فضاء المواطنة...
- ويعيد توزيعهم ضمن كتل تفاوضية...
عندها تتحول الدولة من كيان قانوني جامع إلى ساحة توازن هش بين جماعات تخشى بعضها بعضًا،
والمفارقة هنا هي أن من أسقط نظامًا استبداديًا باسم العدالة والكرامة قد يجد نفسه أمام تحدٍّ مختلف اقصد :
- كيف يُطمئن شركاء الوطن إلى أن العدالة لن تُعاد صياغتها بمرجعية إقصائية؟ وفي المقابل، كيف تتجنب القوى المجتمعية القلقة الوقوع في فخ تحويل المظلومية إلى مشروع سياسي مغلق يعمّق الانقسام بدل أن يعالجه؟..
فالتحولات السياسية قد تُسقط نظامًا، لكنها لا تبني وطنًا تلقائيًا. الوطن يُبنى بعقد جامع يتجاوز منطق الغلبة ومنطق الاحتماء المتقابل، وأي خطاب – مهما كان صادق النية – حين يُعرّف الناس أولًا بوصفهم أبناء مكوّن، لا مواطنين متساوين، يفتح بابًا يصعب إغلاقه لاحقًا...
عموماً :
سوريا اليوم أمام اختبارين متوازيين :
- اختبار السلطة الجديدة في قدرتها على التحول من هوية أيديولوجية إلى دولة قانون...
- واختبار الخطاب العام في قدرته على مقاومة الإغراء السهل للمظلومية السياسية..
فالحقوق لا تُحمى بالانكفاء داخل الجدران الطائفية، بل بتكريس مبدأ المواطنة المتساوية، والهوية الوطنية لا تُصان عبر توازن خوف، بل عبر ثقة يُنتجها قانون عادل ومؤسسات شفافة...
الخلاصة :
بسيطة في صياغتها، عميقة في دلالتها :
فإن نحن استبدلنا خطاب الدولة بخطاب المكوّن، نكون قد انتقلنا من نهاية استبداد إلى بداية تفكك،
أما إذا جعلنا المواطنة أساسًا، فإن اختلاف الهويات يتحول من مصدر قلق إلى عنصر غنى...
اخوتي :
سورية لا تحتاج إلى إعادة توزيع الهواجس، بل إلى إعادة تأسيس الثقة، ولا تُبنى الثقة إلا بدولة تحمي الجميع، دون وسيط طائفي أو أيديولوجي، ودون احتكار تمثيل باسم جماعة أو عقيدة.