--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين ذاكرة الألم وفخّ الهوية… كيف يخرج المجتمع من دائرة الاتهام الجماعي

Salah Kirata • ٣‏/٥‏/٢٠٢٦

29668.jpg

 بين ذاكرة الألم وفخّ الهوية… كيف يخرج المجتمع من دائرة الاتهام الجماعي؟

عندما تنهار منظومة حكمٍ امتدّت لعقود، لا ينهار معها نظام سياسي فقط، بل تتكشّف طبقات عميقة من الخوف والتراكمات الاجتماعية والذاكرة المثقلة بالعنف. وفي لحظات التحوّل الكبرى، غالبًا ما يجد الناس أنفسهم أمام سؤال صعب: من المسؤول؟ وكيف تُوزَّع المسؤولية عن زمن طويل من القمع والحروب والانقسامات؟

في الحالة السورية، ومع تغيّر موازين القوى وسقوط النظام السابق، برزت إشكالية معقّدة تتجاوز السياسة إلى الاجتماع: كيف تُقرأ علاقة الطوائف بالدولة، وكيف يُفهم الصمت، والمشاركة، والاضطرار، والامتياز، في سياق حكمٍ مركزي شديد القبضة؟

ما يظهر في كثير من النقاشات العامة هو ميلٌ متزايد إلى تحويل الانتماء الطائفي إلى أداة تفسير شاملة، وكأن الجماعات البشرية وحدات متجانسة تتحمّل المسؤولية بوصفها كيانًا واحدًا. هذا المنطق، رغم انتشاره في لحظات الاحتقان، يحمل خطورة كبيرة، لأنه يستبدل فهم الأفعال الفردية وشبكات السلطة المعقّدة بصورة مبسّطة تقوم على “الذنب الجماعي”.

في الواقع، أي نظام سلطوي طويل الأمد لا يقوم على طائفة واحدة ولا على مكوّن واحد، بل على شبكة واسعة من المستفيدين، والمُجبرين، والصامتين، والمعارضين الذين جرى تهميشهم أو قمعهم. وهنا يصبح التعميم اختزالًا مُخلًّا، يُحوِّل المجتمع كله إلى صورة كاريكاتورية، ويُفقد القدرة على التمييز بين الفاعل، والمستفيد، والمجبر، والضحية.

من جهة أخرى، لا يمكن أيضًا إنكار أن الصمت الطويل داخل أي مجتمع أمام الانتهاكات، أو قبول الأمر الواقع تحت الضغط والخوف، يترك أثرًا سياسيًا وأخلاقيًا. لكن تحويل هذا الصمت إلى “إدانة جماعية” هو قفز فوق التعقيد الحقيقي للظروف التي تُنتجه، ويؤدي في النهاية إلى إنتاج مظلومية مضادة لا تقل خطورة.

هكذا تنشأ حلقة مغلقة: طرفٌ يرى نفسه ضحية كاملة بلا مسؤولية، وطرفٌ آخر يُحمَّل عبء كل ما جرى بوصفه كتلة واحدة. وفي الحالتين، يُعاد إنتاج نفس البنية التي أنتجت العنف أصلًا: إلغاء الفرد، وتغييب المساءلة الدقيقة، واستبدالها بالهوية الجمعية.

أما فكرة “الاعتذار الجماعي” حين تُطرح خارج إطارها القانوني والأخلاقي الدقيق، فقد تتحول من أداة اعتراف بالماضي إلى وسيلة ضغط سياسي أو رمزي، تُستخدم أحيانًا لتثبيت شعور بالتفوق الأخلاقي أو لتبرير الإقصاء. وهنا تنقلب الغاية: بدل أن تكون خطوة نحو المصالحة، تصبح مدخلًا لتكريس الانقسام.

التجارب المقارنة في النزاعات الأهلية تُظهر أن الخروج من هذه الدوائر لا يتحقق عبر تحميل جماعة بأكملها وزر الماضي، بل عبر تفكيك منظومة الفعل نفسها: من اتخذ القرار؟ من نفّذ؟ من استفاد؟ من صمت تحت الإكراه؟ من عارض ودفع الثمن؟ هذه الأسئلة الدقيقة هي وحدها التي تُنتج عدالة قابلة للحياة، لا عدالة شعاراتية قابلة للانفجار من جديد.

وفي المقابل، فإن المجتمعات التي تقع في فخ “المذنب الجماعي” غالبًا ما تعيد إنتاج العنف بشكل آخر، لأن الإذلال الجمعي يولّد ردود فعل جمعية مضادة، ويغلق الباب أمام أي اعتراف فردي حقيقي بالخطأ أو المسؤولية.

المخرج الحقيقي من هذه الدائرة لا يكون في إنكار الألم، ولا في المساواة بين جميع الأطراف، بل في إعادة بناء مفهوم المسؤولية ذاته: مسؤولية فردية محددة، داخل سياق واضح، بعيدًا عن التعميم والشيطنة والقداسة في آن واحد.

خاتمة ورأي

العدالة في المجتمعات الخارجة من الصراع ليست مسارًا انتقاميًا، بل عملية دقيقة لتفكيك الماضي دون تحويله إلى سلاح جديد. وأي خطاب يعيد إنتاج فكرة الذنب الجماعي، مهما كانت نواياه، يساهم في إطالة عمر الانقسام بدل إنهائه.

المطلوب اليوم ليس البحث عن “جماعة مذنبة” ولا عن “جماعة بريئة بالكامل”، بل بناء وعي سياسي وأخلاقي يميّز بين الإنسان كفرد، وبين الانتماء كإطار لا يختزل كل شيء. فالمصالحة الحقيقية لا تبدأ حين يعتذر الجميع عن كل شيء، بل حين يتوقف الجميع عن تحميل الآخرين ما لا يستطيعون أخلاقيًا أو منطقيًا تحمّله.

وإذا كان هناك درس أساسي من تجارب العنف الطويلة، فهو أن العدالة التي تُبنى على التعميم تُنتج ظلماً جديدًا، وأن السلام الذي يتجاهل الفرد لصالح الهوية لا يصمد طويلًا.