
بين واقعية اللحظة وخطر المسار: قراءة في معضلة الدولة السورية القادمة.
تبدو الساحة السورية اليوم عالقة بين خطابين متناقضين: خطاب يدفع نحو التماسك الوطني وتجنب الصدام، وخطاب آخر يسير في اتجاه تكريس مشروع أحادي يختزل الدولة في رؤية أيديولوجية محددة. وبين هذين الاتجاهين، يجد كثير من السوريين أنفسهم أمام خيار صعب: الصمت من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، أو المجاهرة بالاعتراض بما قد يهدد وحدة الصف في لحظة شديدة الهشاشة.
إنّ التعامل مع القوى التي تحكم الأمر الواقع في بعض المناطق، بغض النظر عن طبيعتها أو تاريخها، يفرض أحياناً قدراً من البراغماتية. فالدول، في مراحل ما بعد النزاعات، تضطر إلى التعايش المؤقت مع واقع قائم، حتى وإن لم يكن منسجماً مع تطلعاتها. لكن هذا التعايش لا يعني القبول المطلق أو التنازل عن المبادئ، بل هو، في أفضل الأحوال، إدارة للصراع بوسائل غير تصادمية، ريثما تتشكل الظروف المناسبة لتصحيح المسار.
غير أن الخطر يكمن حين يتحول هذا القبول المؤقت إلى قبول دائم، أو حين يُستثمر خطاب "امنحوا الفرصة" لتبرير تغييرات عميقة تمس طبيعة الدولة وهويتها. فالتجارب التاريخية في المنطقة، بما في ذلك تجارب قوى صاعدة ذات خلفيات أيديولوجية قوية، تشير إلى أن "مرحلة التمكين" غالباً ما تسبق فرض نموذج سياسي واجتماعي أحادي، يُقصي التعددية ويحد من المجال العام.
في الحالة السورية، يتكرر خطاب تبرير الوضع القائم بحجج من قبيل إرث النظام السابق أو حجم الدمار الذي خلّفه، وهي حجج صحيحة في جزء منها، لكنها لا يمكن أن تتحول إلى صك مفتوح يمنح أي سلطة الحق في إعادة تشكيل الدولة وفق رؤيتها وحدها. فالدولة ليست غنيمة، ولا ينبغي أن تتحول إلى مشروع فئة أو جماعة، بل هي عقد جامع يقوم على المواطنة المتساوية.
إن الإصرار على دولة مدنية ديمقراطية ليس ترفاً فكرياً، بل هو الضمانة الوحيدة لمنع تكرار دورات العنف والانقسام. فالدولة المدنية تقوم على مبدأ المواطنة، لا على الانتماء العقائدي أو الطائفي أو الحزبي، وتكفل الحريات العامة، وتخضع فيها السلطة للمساءلة، وتُصان فيها الحقوق ضمن إطار قانوني واضح. وهذا النموذج، رغم صعوبته، هو الوحيد القادر على استيعاب تنوع المجتمع السوري.
وفي المقابل، فإن التغاضي عن المؤشرات التي توحي باتجاه نحو أسلمة تدريجية للدولة، أو إعادة صياغة مؤسساتها على أسس أيديولوجية ضيقة، يشكل خطراً استراتيجياً. فالتجارب تثبت أن تآكل التنوع، حتى لو تم تدريجياً، يؤدي في النهاية إلى تفكك داخلي، ويعيد إنتاج أسباب الصراع بدلاً من تجاوزها.
إن ما يحتاجه السوريون اليوم ليس الانجرار وراء منطق التصفيق أو التخوين، بل إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أسس حديثة. فالتضامن الوطني لا يعني إلغاء النقد، والوحدة لا تعني الصمت عن الأخطاء، والاستقرار لا يتحقق عبر تكميم الأصوات، بل عبر فتح المجال أمامها ضمن إطار قانوني منظم.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: أن سوريا، بكل ما مرت به من مآسٍ وتضحيات، تستحق نموذجاً سياسياً يليق بها، نموذجاً لا يُقصي أحداً، ولا يحتكر الحقيقة، بل يعترف بالآخر، ويؤسس لدولة قائمة على العدالة، والحرية، والمساواة.