--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين واشنطن وتل أبيب: عندما يُدار القرار من خارج الغرفة

Salah Kirata • ٣‏/٦‏/٢٠٢٦

42295.png

بين واشنطن وتل أبيب: عندما يُدار القرار من خارج الغرفة...
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية 
ليست المشكلة في التصريحات الإسرائيلية المتكررة عن “التنسيق الاستراتيجي” مع الولايات المتحدة، ولا في الخطاب الأميركي الذي يؤكد “التحالف غير القابل للكسر” مع إسرائيل. المشكلة الأعمق—كما تكشفها قراءات في الصحافة الإسرائيلية نفسها—هي أن هذا “التحالف” بدأ يتحول تدريجيًا من علاقة بين شريكين إلى علاقة بين مركز قرار ومحيط يتحرك داخل حدوده.
في هذا السياق، يكتسب ما نُسب إلى صحيفة “إسرائيل اليوم” عن تأثير دونالد ترامب على القرار الإسرائيلي دلالة تتجاوز شخصه. فالمسألة ليست ترامب بحد ذاته، بل طبيعة البنية التي تجعل رئيس الوزراء الإسرائيلي، أيًّا كان اسمه، أقرب إلى مدير ملف منه إلى صاحب قرار سيادي كامل في القضايا الكبرى.
نتنياهو، الذي يُقدَّم غالبًا في الخطاب الداخلي الإسرائيلي بوصفه سياسيًا يملك قدرة عالية على المناورة، يجد نفسه—وفق هذا التحليل—أمام سقف سياسي لا يُرسم في القدس وحدها. فثمة لحظة يصبح فيها “القرار الإسرائيلي” جزءًا من معادلة أوسع: واشنطن، التوازنات الإقليمية، إدارة التصعيد، وحسابات الحرب والسلام في الشرق الأوسط.
هنا تحديدًا تتغير طبيعة القوة. لم تعد القوة تُقاس فقط بقدرة الدولة على اتخاذ القرار، بل بقدرتها على تحمّل كلفة الخروج عن الإطار المرسوم لها. وإسرائيل، رغم تفوقها العسكري والاستخباري، ترتبط عضوياً بمنظومة دعم سياسي وعسكري ودبلوماسي أميركي يجعل هامش استقلالها الاستراتيجي أكثر ضيقًا مما يبدو في الخطاب الرسمي.
في الملفات الكبرى—الحرب في غزة، المواجهة مع حزب الله، أو إدارة التوتر مع إيران—لا يبدو القرار الإسرائيلي منفصلاً عن “الهندسة الأميركية” للمنطقة. فواشنطن لا تنظر إلى هذه الملفات باعتبارها ساحات منفصلة، بل كجزء من لوحة واحدة: استقرار إقليمي محسوب، منع انفلات الحرب، وضبط الإيقاع بما يخدم أولوياتها العالمية الأوسع.
في هذا الإطار، يصبح “الامتثال” الذي يتحدث عنه بعض المحللين الإسرائيليين ليس حالة ضعف فردي لدى قيادة بعينها، بل نتيجة منطقية لبنية علاقة غير متكافئة. فكلما ازدادت تعقيدات الإقليم، كلما ازداد اعتماد إسرائيل على الغطاء الأميركي، وكلما ضاق المجال أمام القرار المستقل في لحظات الانفجار.
لكن المفارقة أن هذا لا يعني غياب القرار الإسرائيلي، بل إعادة تعريفه. فإسرائيل لا تزال تتحرك، وتبادر، وتقاتل، وتفاوض، لكنها تفعل ذلك داخل إطار واسع تُرسم حدوده في واشنطن، بينما تُدار تفاصيله في تل أبيب.
وهكذا، لا يبدو المشهد كفقدان كامل للاستقلالية، بل كتحول تدريجي في طبيعة السيادة نفسها:
من سيادة تُمارَس بحرية نسبية في القرار الاستراتيجي، إلى سيادة تُمارَس داخل شبكة كثيفة من القيود والتحالفات والتفاهمات، حيث يصبح الفارق بين القرار المستقل والقرار “المسموح به” هو الفارق الحقيقي في ميزان القوة.
ربما لهذا السبب تحديدًا، تكتسب مثل هذه التسريبات أو التحليلات داخل الإعلام الإسرائيلي أهميتها. فهي لا تقول فقط كيف ترى إسرائيل علاقتها بواشنطن، بل تكشف—من دون قصد—كيف تغيّر مفهوم “القرار الإسرائيلي” نفسه خلال العقد الأخير: من قرار دولة كاملة السيادة إلى قرار شريك قوي، لكنه غير منفصل عن غرفة قيادة أكبر منه.