
بين وهم التقسيم وواقع الإنسان: لماذا لا تختصر الحضارات في شعارات جاهزة؟
تنتشر أحياناً عبارات تبدو للوهلة الأولى وكأنها تلخص التاريخ والواقع في جملة واحدة، لكنها عند التمحيص تتحول إلى اختزال مخلّ أكثر مما هي تفسير. من تلك العبارات فكرة تقسيم البشر إلى من “امتلكوا الدنيا” ومن “ادُّخرت لهم الآخرة”، وكأن العالم موزع سلفاً على شكل حصص ثابتة لا علاقة لها بالعمل أو التاريخ أو الظروف.
هذه الرؤية، رغم شيوعها في الخطاب الشعبي، لا تصمد أمام قراءة واقعية بسيطة. فالتقدم الذي نشهده في بعض المجتمعات لم يأتِ بوصفه امتيازاً موروثاً، بل نتيجة تراكم طويل من العلم والمؤسسات والتعليم والاستقرار السياسي والاقتصادي. وفي المقابل، فإن غياب هذه العناصر في مجتمعات أخرى لا يمكن تفسيره باعتبارات قدرية أو أخلاقية، بل هو حصيلة ظروف تاريخية معقدة وتشابكات داخلية وخارجية.
لكن المشكلة لا تقف عند حدود التفسير، بل تتجاوزها إلى بناء “تعويض نفسي” غير واعٍ: حين يصعب مواجهة الفجوة في مستوى التطور، يُعاد إنتاج تفسير يمنح راحة داخلية، عبر القول إن العدالة ستتحقق في مجال آخر غير مرئي. هذا النوع من التفسير قد يمنح شعوراً بالطمأنينة، لكنه لا يساعد على فهم الواقع ولا على تغييره.
في الوقت ذاته، لا يمكن إنكار أن السؤال الأخلاقي الذي يطرحه هذا التصور يظل مشروعاً: ماذا عن الإنسان الذي وُلد في بيئة لا تتيح له التعلم أو الاختيار أو الوصول إلى الفرص؟ كيف تُفهم العدالة في سياق تباين غير متكافئ في الشروط الأولية للحياة؟ هذه أسئلة حقيقية لا ينبغي تجاهلها، لكنها تحتاج إلى تفكير أعمق من التبسيط الذي يربط المصائر النهائية بخانة واحدة.
العدالة، إذا أريد لها أن تكون مفهوماً معقولاً، لا تقوم على توزيع مسبق للحظات، بل على فهم الفروق بين الظروف، وعلى السعي لتقليل الفجوة بين الإمكانات البشرية أينما وُجدت. أما تحويل الفروقات الحضارية إلى “تفوق دائم” لطرف و“تعويض أخروي” لطرف آخر، فهو لا يفسر الواقع بقدر ما يجمّده.
في النهاية، المجتمعات لا تنهض بالشعارات التي تبرر الوضع القائم، بل بالأسئلة التي تزعجه. والسؤال الأكثر أهمية ليس من يملك الدنيا أو الآخرة، بل كيف يمكن لأي إنسان، أينما وُلد، أن يمتلك فرصة عادلة للحياة والمعرفة والاختيار.