--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين زنزانةٍ وذاكرةٍ لا تُغلق

Salah Kirata • ٢٢‏/٥‏/٢٠٢٦

37317.png

بين زنزانةٍ وذاكرةٍ لا تُغلق:
في عمق سجن المزة العسكري، حيث لا يصل الضوء إلا كسراً من النهار المتعب، كان الزمن نفسه يبدو كأنه فقدَ قدرته على الحركة. سنوات طويلة تراكمت فوق رجلٍ خرج من قلب السلطة إلى قاع العزلة، لا يحمل معه سوى اسمه وذاكرة انقلابٍ كان ذات يوم طريقاً إلى الدولة، ثم صار بوابةً إلى المنفى الداخلي.
كان ذلك الرجل هو صلاح جديد، الذي وجد نفسه بعد نوفمبر 1970 في زنزانة لا تشبه السجون بقدر ما تشبه القطيعة الكاملة مع العالم. لم يكن السجن جدراناً فقط، بل حياة كاملة تُختصر في انتظارٍ طويل، وفي صمتٍ يتكاثر حتى يغدو أكثر ضجيجاً من المدن.
في أحد أيام آب 1993، قبل أيام قليلة من النهاية التي لم يعد أحد يحتاج إلى إعلانها، جلس يكتب إلى ابنته وفاء، التي لم يعرفها طفلةً إلا عبر الفكرة، فقد وُلدت بعد اعتقاله بشهرين، كأن القدر أراد أن يجعل الأبوة نفسها تجربة مؤجلة، أو وعداً لا يكتمل.
كانت الرسالة أقرب إلى نزيفٍ داخلي منه إلى خطاب. لم يكن يكتب ليشرح، بل ليبقى متصلاً بشيء خارج القضبان. اختار لها عنواناً مأخوذاً من عالم دوستويفسكي: “مذلون… مهانون”، وكأن الأدب هنا لم يعد ترفاً، بل اللغة الوحيدة القادرة على حمل الألم دون أن تنكسر.
في سطوره، لم يكن يتحدث عن السجن كواقعة سياسية فقط، بل كحالة إنسانية تتآكل فيها التفاصيل الصغيرة: الوقت، الصوت، الوجوه، وحتى معنى الانتظار. كان يخاطب ابنته وكأنه يخاطب الحياة ذاتها، يعتذر لها عن غيابه الذي لم يختره، ويشرح لها أن المسافة بينهما لم تكن جغرافية بل قدرية، صنعها التاريخ كما يصنع العواصف دون أن يسأل أحداً عن ضحاياه.
كان يقول لها، بين سطرٍ وآخر، إن ما يعيشه ليس عزلة جسد فقط، بل عزلة معنى، وإن الإنسان حين يُحرم من حريته لا يفقد الحركة فحسب، بل يفقد القدرة على تصديق أن العالم ما زال موجوداً كما كان.
وفي خلفية الرسالة، كانت تلوح ظلال مرحلة كاملة من تاريخ سوريا، حيث تصاعدت الانقلابات والانقسامات داخل البعث، وانتهى الصراع الداخلي إلى لحظة نوفمبر 1970، حين وصل حافظ الأسد إلى السلطة، لتبدأ مرحلة جديدة انتهت فيها حياة رفاق الأمس داخل جدران السجون.
إلى جانب صلاح جديد، كان نور الدين الأتاسي يعيش المصير نفسه، في المكان ذاته تقريباً، وكأن التاريخ قرر أن يضع كل ما تبقى من تلك المرحلة في غرفة انتظار طويلة، لا خروج منها إلا للغياب أو المرض.
لكن رسالة جديد إلى ابنته لم تكن شكوى سياسية بقدر ما كانت محاولة أخيرة لاستعادة الأب داخل الرجل. كان يتحدث بصوتٍ مكسور لكنه واعٍ، كأنه يدرك أن الكلمات قد تكون الشيء الوحيد الذي ينجو من الجدران. كان يسألها إن كانت تسمعه كأب، لا كاسم في كتب التاريخ، وإن كان في الإمكان أن يلتقيا يوماً بلا رقابة ولا جدران، لقاءً عادياً كما يحدث في الحياة التي لم يعشها معها.
ثم يعود في النهاية إلى الصمت الذي يلتهم كل شيء. صمتٌ لا يشبه الاستسلام تماماً، بل يشبه الإقرار بأن بعض الأحلام تُكتب لتبقى أحلاماً فقط. ومع ذلك، ظلّ في سطوره الأخيرة متعلقاً بخيطٍ رفيع من الأمل، كأن الكتابة نفسها كانت محاولة لعدم الاختفاء الكامل.
“سأموت من أجلها…” هكذا انتهت الفكرة دون أن تنتهي الجملة تماماً، وكأن الموت ذاته كان جزءاً من النص، لا خاتمته فقط.
وبين 7 آب 1993 و19 آب من العام نفسه، حين انتهت حياته داخل الزنزانة، بقيت الرسالة شاهدة على رجلٍ لم يغادر السجن، لكنه حاول، على الأقل، أن يترك نافذة صغيرة لابنة لم يعرفها إلا في الكلمات.