
ظل الربيع الضائع :
دمشق في صيف عام 2000 لم تكن كما عهدتها الأجيال السابقة، لكنها لم تعرف بعد أن ما يلوح في الأفق لن يكون إلا وهماً قصيرًا. كلمة واحدة، ألقاها الشاب الذي تولى السلطة بعد أبيه، أطلقت شرارة أمل لم يعتدته النفوس المتعبة من تكرار القهر، لمعت في النفوس كوميض ضئيل في عتمة دامس. قال: “الديمقراطية واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقًا لنا.” كلمات بدت للبعض أكثر من مجرد خطاب، وكأنها وعد بأن التاريخ يمكن أن يُكتب من جديد، وبأن النظام الذي ورثه لن يكون مجرد استمرار للوراثة السياسية، بل يمكن أن يتحول إلى تجربة لإصلاح حقيقي، ولو جزئي، ولو محدود.
في بيت صغير في حي متواضع، وفي غرفة ضيقة تطل على الشارع القديم، اجتمعوا: ميشيل كيلو، رياض سيف، وأسماء أخرى، رجال ونساء، صحفيون، مفكرون، سياسيون، كل منهم يحاول أن يفتح نافذة صغيرة في جدار صلب من الخوف والرقابة. صارت بيوتهم صالونات للحوار، حيث يتحدثون عن الحرية، عن المجتمع المدني، عن دور المواطن، عن الإصلاح السياسي الذي لم يجرؤ أحد على تسميته علنًا منذ عقود. كان عدد هذه المنتديات يقال إنه وصل إلى نحو 170 منتدى، تمتد من الحي إلى البلدة، من المدرسة إلى البيت، وكأن دمشق نفسها تنبض بالحياة، وكأن المدينة القديمة، التي شهدت حروبًا وحصارًا وخيانات، تجد فرصة لتتنفس.
لكن التاريخ في دمشق لا يمنح الكثير. الحرس القديم، هؤلاء الذين جربوا السلطة بكل ثقلها واستبدادها، شعروا بأن الأرض تنزلق من تحت أقدامهم. خوفهم كان أعمق من مجرد فقدان المناصب أو امتيازات الدولة، كان خوفًا من انهيار وهم السيطرة، من أن ترى الأجيال الجديدة أن الدولة يمكن أن تُدار بغير أن تكون آلة للهيمنة والرقابة. في ذلك الوقت، كانت الأجهزة الأمنية مستعدة للتحرك، والضغط بدأ يظهر تدريجيًا، ببطء، مثل موجة هادئة لكنها لا تُقاوم.
ثم جاء يوم 18 شباط 2001، عبد الحليم خدام يقف أمام أساتذة جامعة دمشق، صوته قوي، متسلط، كالصاعقة التي تهز جسد حلم صغير قبل أن يكبر. هاجم كل شيء: لجان المجتمع المدني، المنتديات الحوارية، كل من حاول أن يتجاوز الصمت. وصفهم بالعملاء والمدسوسين، كأن الحرية والكرامة مجرد أدوات للخيانة. وعندما تحدث عن الجزائر، لم يكن مجرد درس تاريخي، بل تحذير صارخ: “إذا نجحت المعارضة، إذا انتشرت الحرية، ستأتي الحرب، وستتمزق الدولة، وستنهار الأمة.” كلمة واحدة، لكنها كافية لقطع أي طريق أمام الربيع، لتغلق الصالونات، لتوقف الحوارات، لتقتل أي نفحة من الأمل قبل أن تتجذر.
في اليوم نفسه، وبتوقيت محكم، بدأت حملة الاعتقالات. عشرة من أبرز نشطاء المجتمع المدني، آخرون لم يكونوا سوى وجوه صغيرة تحاول أن تنبت في صحراء طويلة، ألقوا في السجون. كان الدكتور عارف دليلة، المحامي حبيب عيسى، الدكتور كمال اللبواني، فواز تللو، حسن السعدون… أسماء لم ينسَها التاريخ بعد، على الرغم من أن الدولة حاولت محوها من ذاكرة الشارع. أحكام قاسية بالسجن، بتهم غامضة، بتهم مثل “محاولة تغيير الدستور بطرق غير مشروعة” و“نشر معلومات كاذبة”، كانت كإعلان أن الحلم جريمة، وأن الكلمة تُسجن قبل أن تُسمع.
وفي الخلفية، كانت دمشق تتابع، ساكنة، صامتة، والناس يهمسون بين بعضهم البعض عن الأيام التي كانت فيها الكلمات حرية، عن الصالونات التي أغلقت قبل أن تنبت، عن أحلام قصيرة كالومضة في الليل الطويل. وكانت كل هذه الحملة، وكل هذا القمع، تمهيدًا لتثبيت مفهوم واحد: أن النظام فوق كل شيء، وأن الوطن يُستبدل بالسلطة، وأن التاريخ الحقيقي، في النهاية، هو ما يكتبه الحديد والرصاص وليس الحلم.
لكن التاريخ لا ينسى، ولا تُدفن الكلمة بالكامل. عبد الحليم خدام نفسه، بعد سنوات من هذا الهجوم، سيختار في نهاية المطاف الانشقاق بعد اغتيال رفيق الحريري، قائلاً: “كان الخيار بين الوطن والنظام فاخترت الوطن لأنه باقٍ، أما النظام فهو حالة عارضة في التاريخ.” حتى في الانفصال، كانت الحقيقة واضحة: النظام يمكن أن يبقى، لكن الحرية لا تُمحى بسهولة، والذاكرة باقية، والأمل ينتظر اللحظة المناسبة ليولد من جديد، ولو بعد سنين، ولو من بين الركام.
وهكذا، انتهى ربيع دمشق كما لو لم يكن، لكنه لم يُمحَ بالكامل من القلوب. ظل طويل، ممتد، يذكّر من عاشوا الحلم بأن الحرية ليست مجرد كلمة، وأن التغيير الحقيقي غالبًا ما يُدفن قبل أن يولد، وأن الوطن أحيانًا أكبر من النظام، وأن التاريخ الحقيقي يُصنع في اللحظات الصعبة، بين الألم والخيانة، بين الصمت والصراخ، بين القمع والحلم.