
دراجات بلا لوحات، وخرائط الخوف:
في تلك الليلة، بدا المشهد وكأنه مفصول عن سياقه الطبيعي، كأن المدينة نفسها قد دخلت في حالة ترقّب ثقيل لا يشبه ما قبلها، لم يكن في الأمر ما يلفت للوهلة الأولى أكثر من عودة متأخرة من موقع عمل كنت اشغله، أمسية كان يمكن أن تُختتم كأي يوم عادي بالنسبة لي كان معي صديقي لابد من إيصاله إلى حيث يسكن وهذا ما مكنني من رؤية ما كنت اعتقده قائمت لكن قطع شكي باليقين، وهو ما كان كفيلاً بتغيير الإحساس بالكامل، كان هذا بحدود الثانية فجرا ...
عشرات الدراجات النارية كانت متجمعة، بلا لوحات، بلا تعريف، كأنها خرجت من فراغ مجهول، رجال بملامح حادة، ملامح لا توحي بالاطمئنان، مسلحون، يغطون وجوههم بما يشبه الأقنعة تخفي أكثر مما تُظهر، لم يكن المشهد مجرد وجود أمني اعتيادي، بل كان أقرب إلى استعراض قوة صامت، لكنه مشحون برسائل غير مرئية...
وبعد أن تجاوزتهم بمئات الأمتار مر من جانبي عدد كبير منهم وكل دراجة عليها اثنان مسلحان ببنادق كلاشنكوف أ لم يكن في تحركاتهم اي ارتباك، بل تناغم يوحي بأن هناك جهة ما تعرف بالضبط ماذا تفعل...
بعد وقت قصير، وصلني من حيث اعمل من بعض الزملاء المناوبون ان اتصالات تتوالى تحمل بلاغات قادمة من أحياء ذات غالبية سنية، تتحدث عن مجموعات على دراجات نارية تطلق الشتائم، وتزرع الخوف، وتبث خطابًا يحمل عبارات تهديد طائفي واضح، وفي ذات الوقت كان هناك بلاغات من جهة أخرى، لكنها ذات أغلبية علوية...
في لحظات كهذه، لم يعد السؤال عن - "من فعل ماذا"
بل :
"كيف أصبحت الرواية متشابهة بهذا الشكل من الجهتين"
لكن هذا لم يكن بالنسبة لي لغزا لأن لدي اقتناع عززه ما رأيته، لان هناك من أراد أن يرى النتيجة ذاتها تُزرع في أكثر من مكان في الوقت نفسه.
من موقعي، ومن خلال ما رأيته وما عشته في تلك الفترة، لم يكن هذا النمط من التحرك عشوائيًا، لم يكن خروجا عن السيطرة بل من مركزها وبقرار منها، كان هناك ما يؤكد بأن جهات تمتلك القدرة على التحريك والتوجيه، تعمل على خلق حالة من الخوف المتبادل، وكأن الهدف ليس فقط إخافة الناس، بل دفعهم نحو الشك ببعضهم البعض...
وفي هذا السياق، لا يمكنني إلا أن أقرأ ما حدث باعتباره جزءًا من إدارة معقدة للمشهد، لكن للأمانة لم يكن مكان تجمع هؤلاء ومن ثم انطلاقها مكانا أمنيا معلوما أو لأكون دقيقا لم أكن أعرفه أنا على الاقل، وانا هنا لا أنكر أن لكل أجهزة الأمن في العالم بعض من أعمال قذرة، وليس بالضرورة أن تنفذ أمرا من القيادة السياسية، فأحيانا تبادر بعض هذه الجهات ببعض الأفعال والممارسات تظن من خلاله أنها تقدم خدمة وطنية، اقصد أنها تأخذ من تلقاء نفسها قرارها، ولا أظن أيضا أن شيئا من هذا كان بعيدا عن سورية، لاسيما أن أهم هواية لدى أجهزة مخابرات العالم أن تخترق بعضها بعضا، وليس بعيد عنا اغتيال الشيخ الحريري الذي نشب لفرع الأمن والاستطلاع السوري، حيث تلعب الجهات الأمنية دورًا يتجاوز مجرد الضبط، ليصل إلى التأثير في المزاج العام وإعادة تشكيل الإدراك الجمعي.
وبحسب ما فهمته وعايشته، فإن مثل هذه التحركات أن كانت من فعل أجهزة المخابرات السورية، فالمرشح الذي أراه مسؤولا عن هذه الأفعال هو إدارة المخابرات الجوية في ظل اللواء جميل حسن الذي اعرفه عن كثب، حيث بدت هذه الإدارة وكأنها تتحرك ضمن أدوات متعددة، بعضها ظاهر وبعضها غير مباشر، لإدارة حالة التوتر المتصاعد...
في النهاية، لم تكن تلك الليلة مجرد حادثة عابرة، بل كانت نموذجًا مبكرًا لكيف يمكن لشرارة صغيرة، عندما تُدار بشكل معين، أن تتحول إلى نار قابلة للانتشار، وأن تُستخدم لإعادة رسم حدود الخوف والانقسام في مجتمع بأكمله.