--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

دونالد ترامب… حين تتحول السياسة إلى فن الصفقات

Salah Kirata • ١١‏/٣‏/٢٠٢٦

9914.jpg

 دونالد ترامب… حين تتحول السياسة إلى فن الصفقات

عندما دخل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يصل إليه من دهاليز العمل السياسي التقليدي، بل من عالم المال والأعمال. ولذلك بدا منذ اللحظة الأولى أن الرجل لا ينظر إلى السياسة بوصفها منظومة تحكمها التقاليد الدبلوماسية والتحالفات التاريخية بقدر ما يراها ساحة تفاوض مفتوحة، تُدار بمنطق الصفقة والضغط وتحقيق المكاسب.

هذا الأسلوب المختلف جعل رئاسته مثار جدل واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها. فقد قدّم نفسه بوصفه رئيساً قريباً من الشارع، يخاطب الجمهور بلغة مباشرة، ولا يتردد في تحدي النخب السياسية والإعلامية. وفي الوقت نفسه اعتمد على حضور إعلامي كثيف وتصريحات صادمة أحياناً، ما جعله دائماً في مركز الاهتمام السياسي والإعلامي.

لكن السمة الأبرز في نهجه كانت التقلّب السريع في المواقف. فقد يبدأ بخطاب تصعيدي شديد اللهجة، ثم ينتقل إلى التفاوض، وربما إلى المصالحة. هذه الطريقة ليست جديدة تماماً في عالم الأعمال، حيث تُستخدم أحياناً كأداة لرفع سقف التفاوض قبل الوصول إلى اتفاق. غير أن نقل هذا الأسلوب إلى العلاقات الدولية جعل كثيرين يتساءلون عما إذا كان ذلك يمثل استراتيجية محسوبة أم مجرد اندفاع سياسي.

في عدد من الملفات الدولية الكبرى ظهرت هذه المقاربة بوضوح. فقرار الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران مثّل خطوة حادة قلبت توازنات دبلوماسية استمرت سنوات. وفي العلاقات الاقتصادية مع الصين، اندلعت حرب تجارية عبر الرسوم الجمركية والضغوط الاقتصادية، قبل أن تعود المفاوضات لتفرض نوعاً من التسوية المرحلية.

وفي الملف الكوري الشمالي، انتقل المشهد من تبادل التهديدات إلى لقاءات مباشرة بين القيادتين، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات بين البلدين. هذه التحولات السريعة في المواقف عززت صورة رئيس يفضّل سياسة الضغط القصوى أولاً، ثم فتح الباب أمام التسويات عندما تتغير موازين التفاوض.

غير أن هذا الأسلوب يطرح إشكالية أساسية في النظام الدولي. فالدبلوماسية التقليدية تقوم على الاستقرار النسبي في المواقف، وعلى بناء الثقة التدريجية بين الدول. أما عندما تصبح السياسة قائمة على المفاجأة والتقلب المستمر، فإن ذلك يخلق حالة من عدم اليقين لدى الحلفاء قبل الخصوم.

ومع ذلك، لا يمكن فهم ظاهرة ترامب بمعزل عن التحولات التي يعيشها العالم. فصعود الشعبوية في العديد من الدول، وتراجع الثقة بالنخب السياسية التقليدية، وانتشار الخطاب القومي والاقتصادي الضيق، كلها عوامل ساعدت على صعود نموذج سياسي يعتمد على مخاطبة الغرائز الشعبية أكثر من اعتماده على الخطاب الدبلوماسي الكلاسيكي.

ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي لا تزال مطروحة. هل يمثل ترامب نموذجاً لسياسي ذكي يوظف الصدمة والضغط لتحقيق أهداف تفاوضية؟ أم أنه يعكس حالة من الارتجال السياسي الذي يربك النظام الدولي؟ ولماذا ما زالت دول كثيرة تتعامل بحذر شديد مع السياسات الأميركية؟ هل بسبب الخوف من قوتها العسكرية والاقتصادية، أم نتيجة اقتناع بأن الولايات المتحدة ما تزال اللاعب الأهم في النظام العالمي؟

لكن السؤال الأعمق ربما يتعلق بمستقبل الولايات المتحدة نفسها. فالدولة التي قادت النظام الدولي لعقود طويلة قامت قوتها ليس فقط على الاقتصاد والجيش، بل أيضاً على شبكة واسعة من التحالفات والثقة الدولية. وإذا تحولت السياسة الخارجية إلى سلسلة من الصفقات السريعة والقرارات المفاجئة، فقد يفتح ذلك الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى في العالم.

في النهاية، قد يكون من المبكر إصدار حكم نهائي على تجربة ترامب السياسية. فالبعض يراه سياسياً غير تقليدي كسر قواعد اللعبة وأدخل أساليب جديدة في إدارة الصراع الدولي. بينما يراه آخرون نموذجاً لقيادة متهورة قد تضع العالم أمام أزمات غير محسوبة.

غير أن المؤكد هو أن هذه التجربة كشفت حقيقة أساسية: العالم يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها القواعد القديمة، وتبرز فيها شخصيات سياسية تصنع الأحداث بقدر ما تصنعها الظروف. وفي مثل هذه المرحلة، يصبح السؤال عن ذكاء القائد أو اندفاعه أقل أهمية من السؤال الأهم: إلى أين يتجه النظام الدولي في زمن السياسة التي تشبه الصفقات؟