
دير الزور…
حين يذهب الرئيس إلى الجرح لا إلى المنصة:
ليست زيارة عادية تلك التي قام بها الرئيس أحمد الشرع إلى دير الزور،
فالمدن المنكوبة لا تستقبل الرؤساء كما تستقبلهم العواصم المستقرة، ولا تُقاس الزيارات فيها بعدد المستقبلين ولا بحجم اللافتات ولا بخطابات البروتوكول، هناك، في الشرق السوري المثقل بالرماد والنسيان، تصبح الزيارة موقفاً سياسياً وأخلاقياً قبل أن تكون نشاطاً رسمياً...
دير الزور ليست مجرد محافظة سورية بعيدة عن المركز، إنها مدينة دفعت أثماناً متراكمة من الدم والجوع والحصار والحرب والإرهاب والتهميش، حتى بدت في سنوات كثيرة كأنها تُركت وحدها تواجه مصيرها. ولذلك فإن الذهاب إليها اليوم ليس انتقالاً جغرافياً فقط، بل محاولة للعبور إلى عمق الأزمة السورية نفسها...
من يعرف دير الزور جيداً يدرك أن أهلها لا يطلبون المعجزات، هم يريدون فقط أن يشعروا أن الدولة تراهم، وأن الوطن لم ينسهم، وأن سنوات الخراب الطويلة لن تتحول إلى قدر دائم. ولهذا تحمل زيارة الرئيس دلالة رمزية كبيرة؛ فالرئيس حين يذهب إلى مدينة منكوبة، فهو يقرّ ضمنياً بأن الألم هناك حقيقي، وأن إعادة بناء الثقة تبدأ من الاعتراف بحجم الكارثة...
لكن أهمية الزيارة لا تكمن في رمزيتها وحدها، فالشرق السوري اليوم يقف فوق طبقات معقدة من الأزمات:
" بنية تحتية مدمرة، اقتصاد منهك، بطالة واسعة، هشاشة اجتماعية، ووجود قوى متعددة النفوذ والمصالح. وكل ذلك يجعل دير الزور واحدة من أكثر المناطق حساسية في مستقبل سوريةالسياسي والأمني"...
من هنا تبدو الزيارة محاولة لقول شيء أعمق:
إن الدولة تريد العودة إلى الأطراف بعد سنوات انكفأت فيها الجغرافيا السورية إلى خرائط نفوذ متنازعة. فحين يزور الرئيس دمشق أو اللاذقية أو حمص، فهو يتحرك داخل مركز الدولة التقليدي، أما حين يذهب إلى دير الزور، فهو يذهب إلى الهامش الذي تحول خلال الحرب إلى مركز للصراعات الإقليمية والدولية...
والحقيقة أن دير الزور ليست مدينة عادية في الحسابات السورية،إنها بوابة الشرق، وخزان عشائري واجتماعي كبير، وعقدة جغرافية تمتد نحو العراق والجزيرة السورية، إضافة إلى أنها مصدر الخير كله من الغذاء والماء والنفط والغاز، ولذلك فإن استقرارها ليس شأناً محلياً، بل جزء من معادلة الأمن الوطني السوري بأكمله...
غير أن أي قراءة واقعية للزيارة يجب ألا تقع في فخ المبالغة أو الاحتفال العاطفي، فالناس في المدن المنكوبة لا تحاكم المسؤولين على الصور، بل على النتائج، وقد تعب السوريون عموماً من اللغة الإنشائية التي تعد كثيراً وتنجز قليلاً. لذلك فإن القيمة الحقيقية لزيارة أحمد الشرع ستُقاس لاحقاً:
- هل ستتحول إلى بداية مشروع إنقاذ فعلي لدير الزور؟..
- أم أنها ستبقى مجرد محطة سياسية عابرة في زمن الأزمات المفتوحة؟..
التحدي الأكبر اليوم ليس في زيارة المدن المنكوبة، بل في القدرة على إعادة الحياة إليها.
وهذا يتطلب أكثر من خطابات وتعهدات؛ يحتاج إلى رؤية اقتصادية، وإدارة كفوءة، ومصالحة اجتماعية، وضبط للفساد، وإعادة بناء لمفهوم الدولة نفسها بوصفها راعية لكل السوريين لا مجرد سلطة فوقهم.
لقد تعلم السوريون خلال السنوات الماضية درساً قاسياً:
أن الخراب لا يصنعه السلاح وحده، بل يصنعه أيضاً الإهمال الطويل والشعور بالتخلي، ولهذا فإن أي محاولة حقيقية لإنقاذ سورية يجب أن تبدأ من الأماكن التي شعرت بأنها خارج الحسابات، ودير الزور تأتي في مقدمة تلك الأماكن...
ربما أراد الرئيس الشرع من زيارته أن يقول إن الدولة لا تزال قادرة على الوصول إلى أبعد الجراح السورية...
لكن:
الرسالة الأهم لن يكتبها الإعلام ولا البيانات الرسمية، بل ستكتبها الأيام القادمة وأقصد:
- هل ستبقى دير الزور مدينة تُزار عند الكوارث فقط، أم أنها ستتحول أخيراً إلى أولوية وطنية حقيقية؟
ذلك هو السؤال الذي ينتظر السوريون إجابته… لا في الخطب، بل على الأرض.