--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

فجر الثامن من آذار… حين استيقظت دمشق على ما سيغيّر تاريخ سورية

Salah Kirata • ٨‏/٣‏/٢٠٢٦

9275.jpg

فجر الثامن من آذار… حين استيقظت دمشق على ما سيغيّر تاريخ سورية:

في مثل هذا اليوم، الثامن من آذار عام 1963، لم تكن دمشق تعرف أن الفجر الذي يقترب ببطء فوق قاسيون سيحمل معه بداية عصر سياسي جديد، عصر سيطبع تاريخ سوريا لعقود طويلة. كانت المدينة تبدو هادئة في تلك الليلة المتأخرة من الشتاء، فيما كانت في مكان آخر، على خط الجبهة مع إسرائيل، تتحرك قوات عسكرية بصمت، دبابات ومدفعية وآليات ثقيلة بدأت تتجه نحو العاصمة، كأنها تسير إلى موعدٍ حتمي مع التاريخ.

قبل الفجر بقليل، كانت تلك القطعات العسكرية قد قطعت الطريق بين القنيطرة ودمشق بسرعة لافتة. في الساعة الرابعة تقريباً وصلت إلى مشارف العاصمة. لم تكن التحركات مفاجئة تماماً لمن يتابع المشهد السياسي والعسكري في البلاد؛ فالأجواء كانت مشبعة بالشائعات عن انقلاب وشيك، واسم الضابط زياد الحريري كان يتردد في المجالس العسكرية والسياسية على السواء. ومع ذلك، بدا أن القيادة الرسمية للدولة إما لم تصدق ما يُقال، أو أنها لم تملك الإرادة لمواجهته.

تقدمت القوات نحو مبنى رئاسة الأركان، أحد أهم المواقع العسكرية في البلاد. كانت المقاومة قصيرة ومحدودة، ثم انهار المبنى في يد الضباط الذين قادوا الحركة. في الوقت نفسه كان النقيب سليم حاطوم يقود مجموعة أخرى نحو دار الإذاعة في دمشق، حيث جرى احتلالها بسرعة، وهناك جلس الملازم أول سليمان حداد أمام الميكروفون ليقرأ البلاغ الأول. وما إن انطلق صوته عبر الأثير حتى عرف السوريون أن انقلاباً جديداً قد وقع، انقلاباً سيحمل هذه المرة اسم “ثورة الثامن من آذار”.

لكن الطريق إلى تلك اللحظة لم يكن وليد ليلة واحدة. فقد كانت سوريا منذ انهيار الوحدة مع مصر عام 1961 تعيش حالة اضطراب سياسي وعسكري شديد. الانقسامات داخل الجيش، والصراع بين التيارات القومية والبعثية والناصرية، والانقلابات المتلاحقة، كلها كانت تشكل خلفية لبلد يبحث عن توازن مفقود. وكان انقلاب حزب البعث في العراق قبل شهر واحد فقط قد أشعل حماسة الضباط البعثيين في سوريا، فبدا وكأن اللحظة التاريخية قد حانت.

اختير العقيد زياد الحريري ليكون واجهة الحركة العسكرية. لم يكن الاختيار اعتباطياً؛ فالحريري، الضابط الحموي الذي خدم في مواقع عديدة، كان يمتلك شبكة واسعة من العلاقات مع قادة الألوية المحيطة بدمشق. كما أن قرار القيادة العسكرية بعزله وإبعاده عن العاصمة زاد من دافعه الشخصي للمشاركة في الانقلاب. وهكذا تحولت المسألة بالنسبة له من خلاف إداري إلى معركة على السلطة.

لكن انقلاب الثامن من آذار لم يكن عملاً حزبياً خالصاً. فقد شاركت فيه عدة تيارات داخل الجيش، لكل منها أهداف مختلفة. كان حزب البعث العربي الاشتراكي يسعى إلى الوصول إلى السلطة لتحقيق مشروعه القومي الاشتراكي. أما الضباط الناصريون فكان هدفهم إعادة الوحدة مع مصر بقيادة جمال عبد الناصر. وشارك أيضاً القوميون العرب والوحدويون الاشتراكيون، وكلهم كانوا يتفقون على رفض النظام الذي نشأ بعد الانفصال عن مصر.

ومع ذلك، لم يكن لأي من هذه القوى وحدها القدرة على حسم المعركة داخل الجيش. لذلك اعتمد المخططون للانقلاب على ما وصفه بعض معاصري تلك الأحداث بشراء ولاء فئة من الضباط المترددين أو الوصوليين، الذين كانوا يملكون نفوذاً واسعاً في المؤسسة العسكرية. كان من بينهم رئيس الأركان اللواء نامق كمال، ورئيس شعبة المخابرات اللواء راشد القطيني، وغيرهما من الضباط الذين لم يقفوا في وجه الحركة حين بدأت.

في دمشق، استيقظ السكان صباح ذلك اليوم على أصوات إطلاق نار متفرق. لم تكن المدينة قد دخلت بعد في حالة الذعر التي قد تثيرها الانقلابات، فالسوريون كانوا قد اعتادوا خلال الخمسة عشر عاماً السابقة على تكرار مثل هذه الأحداث. خرج بعضهم إلى الشوارع بحذر، بينما كانت الإذاعة تذيع البلاغات العسكرية تباعاً. ومع مرور الساعات، اتضح أن الانقلابيين نجحوا في السيطرة على المراكز الحيوية في العاصمة، بعد انضمام قادة عسكريين آخرين إليهم، مثل قائد منطقة دمشق وقائد الشرطة العسكرية.

أما رئيس الجمهورية ناظم القدسي فقد بقي في منزله ينتظر ما سيحدث. كان قد عاش تجربتي انقلاب سابقتين، وكان يعرف جيداً كيف تسير الأمور في دمشق عندما تتحرك الدبابات. في المقابل لجأ رئيس الوزراء خالد العظم إلى السفارة التركية خشية الاعتقال، فيما توارى السياسي المخضرم أكرم الحوراني عن الأنظار.

في سجن المزة العسكري، كان بعض الضباط المعتقلين يقضون ليلتهم الأخيرة دون أن يعرفوا أن الفجر سيأتي حاملاً لهم الحرية. يروي مصطفى طلاس في مذكراته أنهم سهروا حتى الفجر دون أن يسمعوا شيئاً غير عادي. لكن عند الخامسة صباحاً قفز أحد رفاقه من فراشه وهو يصرخ بأن الخيل قد دخلت الوعر، في إشارة إلى وقوع الانقلاب. بعد ساعات فُتحت أبواب السجن، وعاد بعض أولئك الضباط إلى الخدمة العسكرية، بل إن بعضهم تسلم مناصب قيادية في الجيش الجديد.

ومع تثبيت السيطرة على العاصمة، أعلن الانقلابيون تشكيل مجلس قيادة الثورة، هيئة عسكرية مدنية تولت السلطات التشريعية والتنفيذية في البلاد. رُفع الضابط لؤي الأتاسي إلى رتبة فريق وأصبح رئيساً للمجلس وقائداً للجيش، بينما رُقي زياد الحريري إلى رتبة لواء وتولى رئاسة الأركان. أما صلاح البيطار فشكل الحكومة الجديدة، في محاولة لإعطاء الانقلاب غطاءً سياسياً مدنياً.

غير أن السلطة الحقيقية كانت في يد ما عُرف لاحقاً بـ“اللجنة العسكرية” داخل حزب البعث، وهي مجموعة من الضباط الشباب الذين سيصبح بعضهم لاحقاً شخصيات محورية في تاريخ سوريا، مثل صلاح جديد ومحمد عمران وحافظ الأسد. هؤلاء الضباط لم يكونوا في الواجهة يوم الانقلاب، لكنهم كانوا القوة التي ستعيد تشكيل النظام السياسي في السنوات التالية.

بعد أيام قليلة بدأت مرحلة جديدة من تصفية الحسابات السياسية. صدرت مراسيم بالعزل السياسي شملت عشرات الشخصيات التي كانت تمثل الطبقة السياسية التقليدية في سوريا، من رؤساء جمهوريات وحكومات إلى وزراء وصحفيين ورجال اقتصاد. وبذلك أُقصيت النخبة التي قادت الحياة السياسية السورية منذ الاستقلال، وبدأ عهد جديد يقوم على سيطرة الجيش والحزب على الدولة.

في ذلك الصباح من آذار لم يكن كثير من السوريين يدركون أن ما جرى ليس انقلاباً عادياً كسابقيه. فقد اعتادوا منذ انقلاب حسني الزعيم عام 1949 أن يروا السلطة تتغير ببيان عسكري. لكن انقلاب الثامن من آذار كان مختلفاً؛ لم يكن مجرد تبديل حكومة، بل بداية نظام سياسي جديد سيستمر لعقود، ويعيد رسم ملامح الدولة والمجتمع في سوريا.

وهكذا، بينما كانت شمس ذلك اليوم ترتفع فوق دمشق، كانت صفحة كاملة من تاريخ البلاد تُطوى، وتُفتح صفحة أخرى ستظل آثارها حاضرة في حياة السوريين حتى اليوم. ففي تلك الساعات القليلة بين الفجر والصباح، لم يتغير الحكم فقط… بل تغير مسار التاريخ السوري بأكمله.