
فخ الصراع المزدوج: كيف تُستنزف المنطقة لصالح مشروع أكبر.
حين ينطلق خبراء استراتيجيون بصوتٍ يزن عقودًا من التجربة، لا يمكن تجاهل ما يقولونه. فالتاريخ يعلمنا أن من خطط لأخطر مسارات المنطقة لعقود، وعاش كواليس أزماتها الكبرى، لا يتحدث بلا حساب. وفي هذا السياق، يبدو المشهد الإقليمي اليوم وكأنه محكّ للاختبار: صراعات عربية وإيرانية تحوم حولها قوى دولية تلعب دور المشاهد والوسيط في آن واحد، لكن وراء ذلك خطوط لا يمكن للعين المجردة رؤيتها.
التحليلات الأخيرة تشير إلى أن المنطقة تقف على حافة سيناريو كارثي: حرب محتملة بين القوى العربية وإيران، قد لا يكون هدفها الانتصار المباشر لأي طرف، بل استنزاف الطرفين حتى الإنهاك الكامل. في هذه المعادلة، تصبح الخسائر الاقتصادية والعسكرية هائلة، بينما تتحول الدول الكبرى إلى مراقب يوزع السلاح ويجني الأرباح، غير مكترث بسقوط المدنيين أو الدول.
ما يميز هذا السيناريو هو أنه ليس مجرد صراع تقليدي. إنه استنزاف ممنهج، فخ تاريخي يُنصب للمنطقة، حيث يُترك الخصمان يواجهان بعضهما البعض، في حين يتم تمهيد الطريق لمشروع أكبر دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة. المستفيد الوحيد من هذا الاستنزاف المزدوج واضح: قوة إقليمية كبرى ترى في الانقسام العربي والإقليمي فرصة لإعادة رسم خرائط النفوذ على الأرض، وتحقيق أهداف استراتيجية بحد أدنى من المخاطر العسكرية.
الدرس القاسي هنا هو أن النجاة لا تأتي من الانجرار وراء أزمات الآخرين، ولا من محاولات فرض النفوذ بالقوة، بل من الوعي بالمخاطر والتخطيط لمواجهة الاستنزاف قبل أن يتحول إلى سقوط كامل. ترك المتصارعين وجهاً لوجه دون أن تكون الدولة أو القوة العربية جزءًا من معركة الاستنزاف، قد يكون الخيار الوحيد للحفاظ على ما تبقى من مقدرات المنطقة.
في النهاية، هذه التحذيرات ليست مجرد قراءة سياسية، بل دعوة لفهم اللعبة الكبرى التي تُحاك وراء الكواليس. فإذا لم يتم التعاطي معها بحكمة، فإن المنطقة لن تواجه مجرد حرب واحدة، بل ستجد نفسها محاصرة في فخ الاستنزاف المزدوج، حيث كل الخسائر تصب في حساب من كان ينتظرها منذ البداية.