
قبل أن أنام :
ساروي لكم فصلا من فصول مجزرة كلية مدفعية الميدان في حلب في ١٦ حزيران ١٩٧٩ :
كنت طالبا في كلية مدفعية الميدان بحلب، بين ٣٢٠ طالب ضابط شاب، مقسّمين على دورتين، دورة متقدمة تحمل الرقم ٣٢، ودورة متوسطة تحمل الرقم ٣٣، كنت قد جئت من الكلية الحربية متفوقاً، ليس لمكانتي الاجتماعية أو لأي واسطة، بل لأنني حصلت على علامة ١٠٠ في التكتيك وهذا شبه مستحيل حتى أن الطلاب المتقدمون لما سمعوا قالوا ( والله العقيد شروف مابياخد مية )، والعقيد شروف كان رئيس قسم التكتيك في الكلية الحربية، وكذا فقد حصلت على علامة مماثلة في الثقافة القومية الاشتراكية،المئة في كلياتنا لم تكن مجرد رقم، بل كانت مفتاح الدخول والتميّز، مضروبة في أضعافٍ وفق مبدأ "التثقيل"، الذي تتبعه الجامعات لاختيار الطلاب في الكليات التي تحتاج لمسابقات، وعليه وجدت أن معي ٥٥٠٠ علامة جعلتني التفوق على منهم ربما اشطر مني ببعض المواد الأخرى والكيمياء والتسليح والعتاد العسكري وأساليب الرمي وهكذا...
للأمانة:
كان واضحاً أن الشباب السنة السوريون يبتعدون عن الكليات العسكرية، ربما لأن فرص الربح والعيش كانت متوفرة لهم في المدن وكذا امكانيات الالتحاق بالجامعات كثر، ولن أسقط هنا ماقام به دفع النظام في عهد حافظ الأسد لجهة الدفع بالشباب العلوي للالتحاق في هذه الكليات، فالمستقبل كان مضموناً والدخل سريعاً، ولم يحدث أن سرح طالب لأن رسب في الامتحان، فمعلوم أن الصفر في الجيش كان يساوي ٦٠ علامة نجاح، وهو ما يعني أن الطريق كان ممهداً لمن اختار أن يخدم النظام...
كنتُ بين هؤلاء القلائل من السنة الذين اختاروا هذا الطريق، ليس بدافع الطموح الشخصي فقط، بل من الإيمان بالواجب الوطني، ومن اني كنت مصدقا بفكرة تحرير الجولان وفلسطين، وكذا كنت العضو العامل الوحيد في الحزب من بين زملائي الذين التحقوا بالكليات العسكرية، ليس هذا فقط بل كنت وقبل التحاقي في الفترة الفاصلة بين امتحانات الشهادة الثانوية والطلب مني الالتحاق بالكلية الحربية، كنت قد عينت نائباً لأمين رابطة في اتحاد شبيبة الثورة، وكذا كنت قد طلبت كأول من يطلب من ريف دمشق للالتحاق بالكلية الجوية إلا أنه كان قد مضى على التحاقي بالحربية قرابة الشهرين...
( كنت أحمل على عاتقي شعوراً بالمسؤولية أكبر من سني )...
معلوم طبعا :
أنه في حلب، تنتشر الكليات العسكرية، من أكاديمية الأسد للهندسة الحربية، مروراً بالكلية الجوية بمعهديها الجوي و الفني، وصولاً إلى مدرسة المشاة وبعض اختصاصات الكلية الحربية مثل مدفعية الميدان والتسليح والشؤون الإدارية، لكن ما أريد أن أقف عندها هنا هو :
أن طلاب مدفعية الميدان يشكلون القوة الأكبر عددا والاكثر تدريبا لذا يمكن الاعتماد عليهم ببعض الحالات الطارئة والاستثنائية، وربما لهذا السبب أصبحت الكلية هدفاً لعصابة "الطليعة المقاتلة"، المنشقة عن جماعة الإخوان، في ما سيصبح واحدة من أعنف الجرائم في تاريخ سورية الحديث، لاسيما أن وحدة من الصف المتقدم كانت قد استدعيت مساء يوم على عجل لمؤازرة المخابرات العسكرية لتطويق أحد الأحياء دون أي صدام فقد كان دور المخابرات ملاحقة بعض المطلوبين وكان دور الطلاب بإغلاق الطرقات على من يمكن أن يهرب من أحياء بعينها من المطلوبين بقضايا ذات خلفية أمنية...
قبل المجزرة، كانت هناك تحذيرات كما بدى غير معلنة، وأشبه بالاستشراف الأمني لما قد يحدث. طلب منا أن نحمل البنادق المذخرة، وأن نكون يقظين خلال الدوريات الليلية وحماية الأجنحة، كان شعورنا بالقلق يتصاعد دون أن نعرف السبب الكامل...
ثم جاء اليوم المشؤوم: ١٦ حزيران ١٩٧٩، والساعة ٧،٤٠ مساءاً، دخلنا إلى الندوة، بناء على نداء وجه من الإذاعة في الكلية لكن كان لافتا ومن غير المعتاد أن يقال على طلاب الحربية الاجتماع بالندوة لأن المعروف أن يذكر رقم الدورة، وهذا كان ربما اول ارتباك وقع به ابراهيم اليوسف ومن معه ليلتها، كان الطلاب المتقدمون قد جلسوا جميعهم أو غالبيتهم، وبالتالي لم يكن لنا كطلاب دورة المتوسط مكان للجلوس مما تجبرنا أن نبقى واقفين قرب الباب، وكان لهذا أثر مأسوي لاحقاً، سأذكره في الجزء التالي من روايتي هذه...
فجأة، دخل المجرم إبراهيم اليوسف برفقة مسلحين مجهولين، ظننا في البداية أنهم بعض من عناصر كتيبة البيانات وهي كتيبة كأي كتيبة مدفعية في أي فوج أو لواء، إلا أنه كان المناط بها أن تقدم بيانات عملية لطلاب الكلية في سياق التدريب كما يحدث أحياناً، لكن سرعان ما تبين أن الأمر أبعد من التدريب، فبدأ الهرج والمرج، وصاح إبراهيم اليوسف قائلاً :
"طلاب، نحن لا نريد إيذاء أحد منكم، نريد فقط بعض الأشخاص"...
وكان هذا بعد أن قدم له الصف الطالب الأقدم وكان اسمه علي خيزران رحمه الله وكل رفاقه اجمعين الذين ارتقت أرواحهم في هذا اليوم المشؤوم...
أخرج المجرم ابراهيم اليوسف أوراقه الصغيرة، وبدأ يقرأ أسماءً محددة، وكان كل من يسمع اسمه يُطلب منه الخروج فوراً، حينها ازددت يقيناً أن الذين تُقرأ أسماؤهم من السنة، وأنهم مطلوبون للمخابرات ...
وهنا وليس من باب الاثارة بل للأمانة وتوصيف الواقع والواقعة اقول ان أول زخة رصاص خرجت من فوهات البنادق كانت على بعد ٩٠ سم من صدورنا، والطلبة الواقفون قرب الباب كانوا أول من تلقوا الرصاص مباشرة، لم يكن هناك مجال للهرب، ولا مجال للصراخ، كان الصمت الثقيل ممزوجاً برائحة الرصاص،وبأصوات الصراخ والارتباك، وكأن كل ثانية تتساقط فيها الأرواح كانت كأنها تتحدى الزمن نفسه...
لم يكن مجرد هجوم، بل مجزرة محسوبة بدقة، تخطط لها يد المجرم والأحزمة المسلحة، تركت في قلوبنا رعباً لم يزول، وأثراً طائفياً وسياسياً مدمراً ما زلنا نعيش تداعياته حتى اليوم.
لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد… فما حدث بعد ذلك، وما تبع المجزرة، سيكشف عن أبعاد أكبر للفتنة الطائفية والخيانة داخل صفوفنا...
تابعوا الفصل القادم… حيث تتكشف الأسرار، وتبدأ رحلة النجاة والانتقام من المجرم إبراهيم اليوسف ومن يقف وراءه.