
حين تتأمل حكم حافظ الأسد، لا ترى في إنجازاته العسكرية والأمنية سوى غلاف لمشروع شخصي بحت، فالرجل لم يثق بعشرين مليون سوري، ولم ير في ملايين البعثيين رفيقاً واحداً يمكنه أن يقود البلاد بعده، لم يكن يؤمن بأن هناك قائد مؤهل بين البشر الذين صنعوا الدولة معه، ولم يبنِ مؤسسات أو برامج لتأهيل أي شخص، فكل ما فعله طوال سنوات حكمه كان استثماراً في تفريغ السلطة من أي منافس محتمل، وتحطيم كل من يجرؤ على رفع رأسه أو يظن أنه قادر على المشاركة في القيادة...
ليس غياب المنافسة هنا مجرد صدفة أو استبداد عابر، بل كان استراتيجية ممنهجة اقصد أن السلطة بالنسبة له لم تكن مشروع وطن، ولا بناءً للإنسان السوري، بل كانت لعبة بقاء شخصية، فكان من يقترب من دائرة الضوء يُهمّش، ومن يعتقد أنه يمكن أن يشارك في صنع القرار يُسحق، هكذا، حوّل البلاد إلى حقل ألغام من الولاء والخوف، حيث لم يعد المواطن، ولا العسكري، ولا البعثي، يمتلك أي قدرة على المبادرة أو التأهيل الذاتي للقيادة...
طيلة حكمه، لم يكن هناك مشروع حقيقي لبناء قيادة مؤهلة أو تأهيل الأجيال القادمة، لم يترك مساحة لتطور الكفاءات أو الفكر الوطني، بل عمل على إخضاع الجميع لإرادته المطلقة، مستخدماً الأجهزة الأمنية والجيش كأدوات للقمع لا للتنمية، ومنصات السلطة لتكريس شخصه كأساس لا يمكن تجاوزه...
كل خطة، كل مشروع، وكل قرار كان يخضع لقاعدة واحدة، لا أحد أفضل مني، ولا أحد يستحق أن يحمل شعلة الدولة بعدي...
لكن الزمن، كما هو دوماً، لم يكن في صالحه، حصر السلطة في دائرة ضيقة من الولاء الشخصي لم يضمن استمرار مشروعه بعده، بل ففرض على سورية ابنه الثاني الذي نصبه على عجل كولي العهد وعهد لمصطفى طلاس تمكينه من الحكم بعد أن يغادر الدنيا، لمصير مجهول، رغم معرفته بأن بشار معاق عقليا ومرتبك نفسياً...
وبذا عاند الله في علاه لما خطف باسل وهو من كان يعده لوراثة الحكم من بعده منذ كان عمره ثماني سنوات، واضطر البلد لاحقاً للتعامل مع تغييرات فرضها حافظ الأسد من قبره من خلال مصطفى طلاس وبعض من حثالات مرتزقة، مما أدى كمحصلة لما حدث في سورية كان من تداعياته كم هائل من الموت والدمار وخراب الديار، والتي أخذت وبشكل كبير بعدا طائفيا أهل الوضع لينتقل بسرعة جنونية لتعيش سورية حربا أهلية لم تبق ولم تذر، مما أدى لما تعيشه سورية بعد وصول الإسلاميين بعد أن عمل الاسدان الاب والولد على إفراغ البلد من كل القوى والشخصيات السياسية...
نعم :
لقد عاشت سورية تجربة حادة أظهرت أن حصر السلطة في دائرة ضيقة من الولاء والخوف، مع تجاهل تطوير الإنسان وإعداد الكفاءات، يحول المشروع السياسي إلى فخ، بمعنى دولة قوية على السطح، لكنها ضعيفة في العمق، معرضة للتقلبات بعد رحيل الطاغية...
عموماً :
سورية اليوم، في كثير من محطاتها، ما زالت تواجه آثار هذا الاختيار :
- مجتمع سياسي لا يعرف كيفية تطوير قياداته...
- وجهاز إداري مرعوب من الاستقلالية...
- وعقلية تمحورت حول شخص واحد، حتى بعد رحيله...
باختصار :
هكذا، تبقى تجربة حكم حافظ الأسد درساً صارخاً في الاستئثار الشخصي بالسلطة، وفي النتيجة الحتمية لأي مشروع حُصر في دائرة ضيقة من الولاء والخوف، فالقوة التي لم تُصاحبها رؤية لتأهيل الإنسان، والكفاءات التي لم تُترك لتكبر وتتحمل المسؤولية، تصبح مجرد وهم...
فسورية اخوتي :
ورثت الدولة، لكنها ورثت أيضاً أزمة القيادة والاختيارات، أزمة أثقلت مستقبلها السياسي، وأثبتت أن المشاريع الشخصية، مهما عظمت، لا تضمن الاستمرارية إذا تجاهلت الإنسان وقدرته على القيادة...
ماذا تقولون لحافظ الأسد ؟.