--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

هدنة تحت المجهر: حين تُختبر القوة الأمريكية خارج خطاباتها… وتُقاس بالنتائج لا بالشعارات

Salah Kirata • ٨‏/٤‏/٢٠٢٦

19298.jpg

هدنة تحت المجهر: 
حين تُختبر القوة الأمريكية خارج خطاباتها… وتُقاس بالنتائج لا بالشعارات؟!.

ليس من موقع الدعوة إلى الحرب يُكتب هذا الكلام، بل من موقع الرفض المطلق لها كشكل من أشكال الفعل السياسي، لأن الحرب في جوهرها ليست سوى اعترافٍ فاضح بعجز السياسة عن الوصول إلى حلولها عبر الأدوات الأقل كلفة. ومع ذلك، فإن الأمنيات – مهما كانت نبيلة أو مشروعة – لا تغيّر واقعاً تاريخياً راسخاً، حيث تبقى الحروب والصراعات جزءاً ثابتاً من حركة البشر على سطح هذا العالم منذ بداياته الأولى وحتى اليوم...

وفي السياق الذي يُقال إنه شهد مواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي توقفت مؤقتاً لمدة خمسة عشر يوماً فاتحة الباب أمام مفاوضات، يصبح لزاماً تفكيك المشهد بعيداً عن ضجيج الخطاب السياسي، والعودة إلى معيار واحد فقط هو: ماذا تحقق فعلاً على الأرض؟

ذلك أن الحروب، سواء من منظور عسكري أو سياسي، لا تُقاس بعدد الضحايا أو حجم الدمار، ولا حتى بمدى الإيذاء الذي يلحق بالبنية العسكرية لأي طرف، بل تُقاس حصراً بمدى تحقيق الأهداف السياسية التي عجزت الدبلوماسية عن تحقيقها. وهنا تحديداً يبدأ اختبار القوة الحقيقي، حيث تسقط الشعارات وتبقى النتائج...

وعند تطبيق هذا المعيار على الأداء الأمريكي في هذه المواجهة، تتكشف لوحة إخفاقات واسعة لا يمكن تزيينها بخطاب الانتصار الإعلامي...

فقد فشلت إدارة ترامب في تغيير النظام الإيراني، رغم كل ما رافق ذلك من تهديدات وضغوط. كما فشلت في الاستيلاء على النفط الإيراني أو إخضاعه لمنظومة السيطرة المباشرة، وفشلت في تحقيق هدف “تصفير صادرات النفط الإيراني” الذي رُفع كأحد أعمدة سياسة الضغط الأقصى. وحتى في ملف مضيق هرمز، لم تستطع فرض معادلة جديدة، بل إن السردية التي تتحدث عن “فتح المضيق” تبدو ساخرة بحد ذاتها، إذ إنه لم يُغلق أصلاً، بينما بقيت ورقة التحكم والتأثير بيد إيران التي استخدمته كأداة ضغط في مواجهة التصعيد الأمريكي...

ولم تتوقف الإخفاقات عند هذا الحد، إذ فشل الرهان على الداخل الإيراني لإحداث انقلاب أو تغيير من داخل النظام، كما فشلت محاولة بناء مسار انهيار داخلي يعوّل عليه في إسقاط الخصم من الداخل...

داخلياً، لم تكن الصورة أكثر إشراقاً؛ إذ تآكلت القاعدة الشعبية لترامب داخل الولايات المتحدة، وخسر جزءاً من جمهوره بفعل التناقض بين الخطاب والنتائج، فيما انعكست الضغوط على المؤسسة العسكرية نفسها التي بدت قياداتها بين الاستقالات والإقالات في مشهد يعكس ارتباك القرار لا صلابته. وحتى اقتصادياً، لم تنجح الإدارة في تحقيق استقرار في أسعار الوقود داخل أمريكا، وهو ملف بالغ الحساسية سياسياً وشعبياً...

وعلى مستوى الحلفاء، فشل ترامب في حشد الأوروبيين خلفه، بل وجد نفسه في مسافة توتر مع جزء من المنظومة الغربية، كما فشل في بناء تحالف عربي واسع ضد إيران، ما جعل مشروع العزل الدولي لطهران غير مكتمل العناصر...

أما عسكرياً، فقد اصطدمت الصورة الذهنية للتفوق الأمريكي بوقائع أكثر تعقيداً؛ من إسقاط طائرات شبحية، إلى تعثر حماية القواعد العسكرية في الخليج، مروراً بالهشاشة النسبية في حماية الرادارات المتقدمة، ووصولاً إلى حقيقة أن حاملات الطائرات نفسها لم تعد خارج مدى الصواريخ الإيرانية. وهي معطيات، بغض النظر عن تفاصيلها التقنية، أعادت رسم حدود الردع التقليدي...

وفي الميدان الإقليمي الأوسع، فشلت كل المشاريع الكبرى التي رُوّج لها: من كسر مايسمى محور المقاومة، إلى استهداف حزب الله اللبناني، إلى محاولة إنهاء ملف الصواريخ الباليستية، وصولاً إلى عجز واضح عن محو البرنامج النووي الإيراني. وحتى التصورات السياسية الكبرى مثل “الشرق الأوسط الجديد” أو “إسرائيل الكبرى” بقيت أقرب إلى شعارات استراتيجية غير قابلة للتنفيذ منها إلى خرائط واقع.

والأهم من ذلك، أن أي خيار لمواجهة برية مباشرة لم يُحسم لصالحه، رغم التصعيد، ما يعكس حدود القوة عندما تقترب من كلفة الفعل الحقيقي. وفي النهاية، انتهى المشهد – وفق هذه القراءة – إلى قبول وقف إطلاق نار بشروط وُصفت بأنها أقرب إلى الرؤية الإيرانية، مع خطاب أمريكي يحاول إعادة تعريف الحدث باعتباره “نصراً”، حتى في ملف مثل مضيق هرمز الذي لم يُغلق أساساً...

وبالطبع، أنا لست مع إيران حتماً، وهي خصم وعدو كما الكيان، لكني بالمطلق لست مع الكيان ولا مع الأمريكيين، بل أقف في موقع قراءة الواقع لا الانحياز الدعائي لأي طرف.

ومن زاوية مقارنة استراتيجية، يمكن الإشارة إلى النموذج الروسي في أوكرانيا، حيث تخوض روسيا عمليتها العسكرية في عامها الخامس في مواجهة اقرب لأن تكون مباشرة مع الأطلسي عبر البوابة الأوكرانية، ورغم عدم تحقيق حسم كامل، إلا أنها لم تنهار أمام آلة الأطلسي الضخمة، بما تملكه من إمكانات ومعدات. وهي مقارنة تُستخدم هنا لا للمطابقة، بل لإبراز الفارق في مفهوم “الصمود” مقابل “الانهيار السريع” الذي يُنسب في هذه القراءة إلى الأداء الأمريكي أمام إيران...

عموماً:
 يبقى الحكم النهائي مؤجلاً. فقبل أن يُبنى موقف قاطع، لا بد من انتظار ما ستنتجه المفاوضات، حيث سينتقل التحليل من مساحة الشك إلى مساحة اليقين، ومن ضجيج الخطاب إلى صمت الوقائع...

وحينها فقط، يمكن القول إن ما جرى كان محطة حقيقية في ميزان القوة… لا مجرد فصل آخر في حرب بيانات تُعلن فيها الانتصارات قبل أن تنتهي المعارك.