
هل السوريون أفضل حالًا بعد رفع قانون قيصر؟
أسأل نفسي اليوم، وأطرح السؤال على كل من يسمعني: هل نحن السوريون أصبحنا أفضل حالًا بعد رفع قانون قيصر؟ يبدو السؤال بسيطًا على الورق، لكنه في الواقع معقد ومؤلم إلى حد كبير. فحين أنظر إلى حياتي اليومية، وإلى حياة كل مواطن حولي، أجد الإجابة واضحة ومرة: لم يتحسن شيء، بل أصبح الوضع أكثر سوءًا، وأكثر فوضوية، وأكثر قسوة على المواطن الذي لم يعد يجد أي متنفس من الضغوط اليومية التي لا تتوقف.
كانت العقوبات الغربية ثقيلة على حياتنا، لم تكن سهلة أبدًا، وقد جعلت كل شيء أغلى وأكثر صعوبة، لكن المواطن كان يجد طرقًا للتكيف، كان يستطيع رغم كل شيء تأمين قوته، تحريك أعماله الصغيرة، الحصول على الدواء، وتحقيق بعض الاستقرار الجزئي على الأقل. أما اليوم، بعد رفع القانون، وبعد التوقعات العريضة بأن الأمور ستتحسن، أجد أن كل شيء يتدهور بوتيرة لم نعهدها من قبل. الأسعار ترتفع بلا توقف، المحروقات والدواء والكهرباء أصبحت معارك يومية، والكثير من الخدمات الأساسية صارت شبه مستحيلة. المواطن يدفع ثمن وعود فارغة لم تتحقق، ويقف أمام مفارقة لا تصدق: أعيش أسوأ حالًا بعد أن رفعوا العقوبات، وأحس وكأن هذا العالم كله يتآمر ضد قدرتي على البقاء.
أتساءل بصوت ساخر: أين قيصر حين يحتاجه المواطن ليشرح لنا هذه المفارقة الغريبة؟ لماذا لم تتحسن حياتنا بعد أن كان من المفترض أن نكون أفضل؟ أين المسؤول الذي كان يفترض به أن يستثمر رفع العقوبات في تحسين معيشة الناس، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، وإعادة ترتيب أولويات الاقتصاد الوطني؟ يبدو أن قيصر صامت، بينما المواطن يصرخ كل يوم على خسارته لقوته اليومية، للكهرباء، للدواء، وحتى على الكرامة التي تتآكل مع كل يوم يمر.
الأزمة ليست العقوبات، لم تكن العقوبات أبدًا السبب الحقيقي لمعاناتنا. العقوبات كانت مجرد شماعة تعلق عليها سياسات فاشلة، لتغطي على فساد الإدارة، على غياب الكفاءة، على القرارات العشوائية التي لا تنظر إلى المواطن إلا كرقم في إحصاء الفشل. المواطن السوري اليوم يدفع ثمن التخبط والفوضى، ثمن غياب أي رؤية واضحة لإدارة الاقتصاد، ثمن تراكم سنوات من الإهمال والإدارة العاجزة، وثمن سياسات تركته يواجه كل شيء بمفرده.
إذا تأملنا الأمور بعمق، نجد أن ما نعيشه أكبر من مجرد أزمة مالية أو اقتصادية. إنه انهيار تدريجي لمفاهيم الدولة نفسها، حيث الموارد تدار بلا وضوح، القرارات تتخذ بطريقة ارتجالية، والفساد يتسلل في كل مؤسسات الدولة. المواطن لم يعد يسأل عن العقوبات أو عن قيصر، بل يسأل عن سبب فقدان أي جدوى من وجود الدولة، عن سبب أن وعود التغيير لم تتحول إلى أفعال، وعن سبب أن رفع العقوبات لم يخفف عن معاناته اليومية، بل زادها سوءًا، وكأن هناك عزيمة متعمدة لإبقائه في حالة صدمة مستمرة.
وهنا أضيف لمسة ساخرة: ربما لو جاء قيصر بنفسه ليجلس معنا في بيوتنا، ويشرح لنا كيف كان يُفترض أن نكون أفضل بعد رفعه للقانون، لما صدقنا. ربما سيقول إن الحكومة أعطتنا الحرية الاقتصادية، وأننا مسؤولون عن فشلنا، وأننا لم نحسن استثمار رفع العقوبات. نعم، بالطبع! المواطن الذي لا يجد وقودًا لتشغيل سيارته، ولا دواء لعائلته، ولا كهرباء لتشغيل أبسط الأجهزة، هو المسؤول عن فشل نفسه. إنها سخرية الواقع بأوضح صورها.
أقف أمام هذه الصورة المأساوية وأكرر السؤال: أين قيصر حين يحتاجه المواطن ليشرح له لماذا بعد رفع قانون قيصر أصبح أسوأ حالًا؟ لماذا لم تتحسن حياتنا بعد أن كانت هناك فرصة حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات، لوضع خطط واضحة للإنتاج، لتحسين القدرة الشرائية، للسيطرة على الأسعار، لتأمين الكهرباء والوقود والدواء بشكل مستمر؟ أين الشجاعة السياسية، وأين الحد الأدنى من الكفاءة، وأين الرؤية التي تحفظ للمواطن حقه في العيش الكريم؟
الجواب يبدو واضحًا وصادمًا في الوقت نفسه: الأزمة ليست خارجية، وليست العقوبات هي المشكلة. الأزمة داخلية، داخل إدارة الدولة نفسها، في فسادها المستشري، في غياب المسؤولية، في قرارات ارتجالية تتخذ يوميًا دون دراسة، دون تفكير في المستقبل، دون مراعاة للمواطن الذي أصبح وحده يدفع ثمن كل ذلك. المواطن السوري اليوم يدفع الثمن الأكبر، ليس للعالم، وليس للعقوبات السابقة، بل لأولئك الذين يُفترض بهم حماية مصالحه.
وإذا أردنا أن نكون أكثر صدقًا، علينا أن نعترف أن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل كارثة أخلاقية وسياسية واجتماعية. المواطن يُسحب تدريجيًا من معادلة الحياة الكريمة، ويُترك ليواجه أسعارًا جنونية، نقصًا في الخدمات الأساسية، وفسادًا لا حد له. هو لم يخطئ، لم يشارك في صنع السياسات، لكنه يدفع الثمن وحده، بينما المسؤولون يعيشون في عالم آخر، محميين، مطمئنين، بلا أي شعور بالمسؤولية تجاه الشعب.
في النهاية، يبقى السؤال قائمًا وبقوة: هل السوريون أفضل حالًا بعد رفع قانون قيصر؟ والإجابة، للأسف، واضحة: لا. المواطن السوري لم يتحسن وضعه، بل أصبح في مأزق أكبر، وأصبح بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى قيادة مسؤولة، إلى خطة واضحة، إلى إدارة كفؤة تعيد له حقه في العيش الكريم. إذا أرادت الحكومة استعادة ثقة الناس، فعليها أولًا أن تعترف بالفشل، وأن تبدأ إصلاح ما يمكن إصلاحه، قبل أن تنتظر أي حلول خارجية لتفسير ما لا يمكن تفسيره إلا بالاعتراف بما حدث داخليًا، وأن تدرك أن المواطن لم يعد يقبل أي مزيد من الأعذار، وأن صبره له حدود لا يمكن تجاوزها.